درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۹۱: استصحاب ۳۲

 

قلت (١) : لا يكاد يضرّ استصحابه (٢) على نحو كان قبل عروض الحالة الّتي شكّ في بقاء الحكم المعلّق (٣) بعده ، ضرورة أنّه (٤) كان مغيّا بعدم ما علّق عليه المعلّق ، وما كان كذلك لا يكاد يضرّ ثبوته بعده بالقطع فضلا عن الاستصحاب ، لعدم المضادّة بينهما ، فيكونان بعد عروضها بالاستصحاب كما كانا معا بالقطع قبل بلا منافاة أصلا (٥) ، وقضيّة ذلك (٦) انتفاء الحكم المطلق (٧) بمجرّد ثبوت ما علّق عليه المعلّق (٨) ؛ فالغليان في المثال كما كان شرطا للحرمة كان غاية للحلّيّة ، فإذا شكّ في حرمته المعلّقة بعد عروض حالة عليه شكّ في حلّيّته المغيّاة لا محالة أيضا ، فيكون الشكّ في حلّيّته أو حرمته فعلا بعد عروضها متّحدا خارجا مع الشكّ في بقائه على ما كان عليه من الحلّيّة والحرمة بنحو كانتا عليه ، فقضيّة استصحاب حرمته المعلّقة ـ بعد عروضها (٩) الملازم لاستصحاب حلّيّته المغيّاة ـ حرمته

__________________

(١) وحاصل الجواب : أنّ الحلّيّة الثابتة لماء العنب ليست حلّيّة مطلقة ، بل تكون مغيّاة بالغليان ، فإنّ الغليان ذو جهتين : (إحداهما) كونه شرطا لحرمة ماء العنب. و (ثانيتهما) كونه غاية للحلّيّة الثابتة له. فإذا تبدّلت حالة العنب وطرأت عليه حالة الزبيبيّة يستصحب الحلّيّة المغيّاة به ، كما يستصحب الحرمة المعلّقة عليه ، ولا تعارض بين الاستصحابين ، لعدم التنافي بين الحكمين ، فإنّ مقتضى استصحاب الحلّيّة المغيّاة بالغليان هو انتفاء الحلّيّة بعد حصول الغليان ، كما أنّ مقتضى استصحاب الحرمة المعلّقة عليه هو ثبوت الحرمة بعد حصوله.

(٢) أي : استصحاب ضدّه المطلق ، وهو الحلّيّة في مثال العنب.

(٣) وفي بعض النسخ : «حكم المعلّق». والصحيح ما أثبتناه. والمراد من الحكم المعلّق هو الحرمة في مثال العنب.

(٤) أي : ضدّه المطلق ، وهو الحلّيّة في المثال المذكور.

(٥) أي : فتكون الحلّيّة المغيّاة بالغليان والحرمة المشروطة به ـ بعد طروء حالة الزبيبيّة ـ مجتمعين بالاستصحاب ، كما كانا مجتمعين بالقطع للعنب قبل طروء حالة الزبيبيّة.

(٦) أي : قضيّة كون الحلّيّة مغيّاة بالغليان وكون الحرمة مشروطة به.

(٧) وهو الحلّيّة.

(٨) أي : بمجرّد ثبوت الغليان.

(٩) الضمير في «عروضها» يرجع إلى الحالة. وقد مرّ أنّ كلمة «عروض» من الأغلاط المشهورة ويكون الصحيح : «عرض».

فعلا بعد غليانه وانتفاء حلّيّته ، فإنّه قضيّة نحو ثبوتهما ، كان بدليلهما أو بدليل الاستصحاب ، كما لا يخفى بأدنى التفات على ذوي الألباب ، فالتفت ولا تغفل (١).

[التنبيه] السادس : [استصحاب الشرائع السابقة]

لا فرق أيضا بين أن يكون المتيقّن من أحكام هذه الشريعة أو الشريعة السابقة إذا شكّ في بقائه وارتفاعه بنسخه في هذه الشريعة (٢) ، لعموم أدلّة الاستصحاب ،

__________________

(١) كيلا تقول في مقام التفصّي عن إشكال المعارضة : «إنّ الشكّ في الحلّيّة فعلا بعد الغليان يكون مسبّبا عن الشكّ في الحرمة المعلّقة» * فيشكل بأنّه لا ترتّب بينهما عقلا ولا شرعا ، بل بينهما ملازمة عقلا ، لما عرفت من أنّ الشكّ في الحلّيّة أو الحرمة الفعليّتين بعده متّحد مع الشكّ في بقاء حرمته وحلّيّته المعلّقة وأنّ قضيّة الاستصحاب حرمته فعلا وانتفاء حلّيّته بعد غليانه ، فإنّ حرمته كذلك وإن كان لازما عقلا لحرمته المعلّقة المستصحبة إلّا أنّه لازم لها ، كان ثبوتها بخصوص خطاب أو عموم دليل الاستصحاب ، فافهم ، منه [أعلى الله مقامه].

(*) هذا ما قال به الشيخ الأعظم الأنصاريّ في مقام التفصيّ عن إشكال المعارضة. راجع فرائد الاصول ٣ : ٢٢٣.

ولا يخفى : أنّ الأعلام اختلفوا في المقام ، فتفصّى عنه بعضهم بدعوى حكومة الاستصحاب التعليقيّ على الاستصحاب التنجيزيّ ، كالمحقّق النائينيّ والمحقّق العراقيّ والسيّد الإمام الخمينيّ ، فإنّ كلّ واحد منهم أفاد وجها في بيان الحكومة. وذهب بعض آخر إلى نفي الحكومة والتفصيّ بوجه آخر ، كالمحقّق الاصفهانيّ والسيّد الخوئيّ. راجع فوائد الاصول ٤ : ٤٧٣ ـ ٤٧٤ ، نهاية الأفكار ٤ : ١٧٠ ـ ١٧١ ، الرسائل ١ : ١٧٣ ـ ١٧٥ ، نهاية الدراية ٣ : ٢٠٩ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٧٠.

(٢) هذا مذهب كثير من المحقّقين ، منهم : الشيخ الأنصاريّ والمحقّق العراقيّ والوحيد البهبهانيّ ، بل عدّه المحدّث الاسترآباديّ من الضروريّات. راجع فرائد الاصول ٣ : ٢٢٥ ، الفوائد الحائريّة : ٤١٣ ، نهاية الأفكار ٤ : ١٧٤ ـ ١٧٥ ، الفوائد المدنيّة : ١٤٣.

وذهب بعض آخر إلى عدم جريان الاستصحاب في المقام ، منهم : صاحب الفصول والمحقّق القمّي والمحقّق النائينيّ والسيّدان العلمان الخمينيّ والخوئيّ. راجع الفصول الغرويّة : ٣١٥ ، قوانين الاصول ١ : ٤٩٥ ، فوائد الاصول ٤ : ٤٨٠ ، الرسائل ١ : ١٧٦ ، دراسات في علم الاصول ٤ : ١٤٧ ـ ١٥١.

وفساد (١) توهّم اختلال أركانه فيما كان المتيقّن من أحكام الشريعة السابقة لا محالة. إمّا لعدم اليقين بثبوتها في حقّهم (٢) وإن علم بثبوتها سابقا في حقّ آخرين ، فلا شكّ في بقائها أيضا بل في ثبوت مثلها ، كما لا يخفى. وإمّا لليقين بارتفاعها بنسخ الشريعة السابقة بهذه الشريعة ، فلا شكّ في بقائها حينئذ ولو سلّم اليقين بثبوتها في حقّهم (٣).

وذلك (٤) لأنّ الحكم الثابت في الشريعة السابقة حيث كان ثابتا لأفراد المكلّف ، كانت محقّقة وجودا أو مقدّرة ـ كما هو قضيّة القضايا المتعارفة المتداولة ، وهي قضايا حقيقيّة ـ ، لا خصوص الأفراد الخارجيّة ـ كما هو قضيّة القضايا الخارجيّة ـ ، وإلّا لما صحّ الاستصحاب في الأحكام الثابتة في هذه الشريعة ، ولا النسخ بالنسبة إلى غير الموجود في زمان ثبوتها ، كان (٥) الحكم في الشريعة السابقة ثابتا لعامّة أفراد المكلّف ممّن وجد أو يوجد ، وكان الشكّ فيه كالشكّ في بقاء الحكم الثابت في هذه الشريعة (٦) لغير من وجد في زمان ثبوته.

والشريعة السابقة (٧) وإن كانت منسوخة بهذه الشريعة يقينا ، إلّا أنّه لا يوجب

__________________

(١) معطوف على قوله : «لعموم ...».

(٢) أي : إمّا لعدم اليقين بثبوت أحكام الشريعة السابقة في حقّ الحاضرين.

(٣) انتهى ما توهّمه صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٣١٥.

(٤) أي : فساد التوهّم. ومن هنا إلى قوله : «من وجد في زمان ثبوته» جواب عن الشقّ الأوّل من الإشكال.

(٥) جواب قوله : «حيث كان».

(٦) في كفاية اليقين بثبوته بحيث لو كان باقيا ولم ينسخ لعمّه ، ضرورة صدق أنّه على يقين منه فشكّ فيه بذلك ، ولزوم اليقين بثبوته في حقّه سابقا بلا ملزم.

وبالجملة : قضيّة دليل الاستصحاب جريانه لإثبات حكم السابق للّاحق وإسرائه إليه فيما كان يعمّه ويشمله لو لا طروء حالة معها يحتمل نسخه ورفعه ، وكان دليله قاصرا عن شمولها من دون لزوم كونه ثابتا له قبل طروئها أصلا ، كما لا يخفى. منه [أعلى الله مقامه].

لا يخفى : إنّ هذه التعليقة ليست في بعض النسخ.

(٧) وهذا جواب عن الشقّ الثاني من الإشكال. وهو ما ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري في فرائد ـ