درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۹۵: استصحاب ۳۶

 

[الوجه في اعتبار مثبتات الأمارات دون الاصول]

ثمّ لا يخفى وضوح الفرق بين الاستصحاب وسائر الاصول التعبّديّة وبين الطرق والأمارات ، فإنّ الطريق والأمارة حيث إنّه كما يحكي عن المؤدّى ويشير إليه كذا يحكي عن أطرافه ـ من ملزومه ولوازمه وملازماته ـ ويشير إليها ، كان مقتضى إطلاق دليل اعتبارها لزوم تصديقها في حكايتها ، وقضيّته (١) حجّيّة المثبت منها كما لا يخفى ؛ بخلاف مثل دليل الاستصحاب ، فإنّه لا بدّ من الاقتصار بما فيه من الدلالة على التعبّد بثبوته ، ولا دلالة له إلّا على التعبّد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره حسبما عرفت ، فلا دلالة له على اعتبار المثبت منه كسائر الاصول التعبّديّة إلّا فيما عدّ أثر الواسطة أثرا له ، لخفائها أو لشدّة وضوحها وجلائها حسبما

__________________

ـ كان المراد من خفاء الواسطة أنّ العرف يستظهر من الأدلّة أنّ الحكم الشرعيّ ثابت لذي الواسطة وتكون الواسطة من علل ثبوت الحكم لذيها فهو يرجع إلى ثبوت الحكم لذي الواسطة حقيقة. وإن كان المراد منه أنّ الحكم الشرعيّ ثابت للواسطة حقيقة لكن لخفائها يرون العرف أنّه حكم ذيها من باب التسامح في التطبيق فهو ممّا لا عبرة. فوائد الاصول ٤ : ٤٩٤ ، أجود التقريرات ٢ : ٤١٩.

وأمّا المحقّق الاصفهانيّ : فأورد على الموردين الأخيرين اللذين زادهما المصنّف قدس‌سره. وحاصله : أنّ دعوى حجّيّة الأصل المثبت في الموردين صحيحة من حيث الكبرى ، فإنّه لو ثبتت الملازمة في التعبّد في مورد فلا إشكال في الأخذ بها ، إلّا أنّ الإشكال في صغرى ما أفاده ، لعدم ثبوت هذه الملازمة في مورد من الموارد. أمّا مورد العلّة والمعلول ومورد المتضائفين فهما خارجان عن محلّ الكلام ، لأنّ اليقين بحدوث العلّة التامّة يستلزم اليقين بالمعلول ، فيكون كلّ من العلّة والمعلول مجرى الاستصحاب مستقلّا ؛ وهكذا المتضائفان ، لأنّهما متكافئان ، فاليقين بالابوّة يستلزم اليقين بالبنوّة ، فيكون كلاهما مجرى الاستصحاب. نهاية الدراية ٣ : ٢٢٥ ـ ٢٢٦.

وتبعهما السيّد المحقّق الخوئيّ ، فأورد على استثناء الموارد الثلاثة بما أورد المحقّقان النائينيّ والأصفهانيّ. فراجع موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٩٠ ـ ١٩٣.

(١) أي : مقتضى لزوم تصديق الأمارات في حكايتها عن أطرافه من الملزوم واللازم والملازم.

حقّقناه (١).

__________________

(١) لا يخفى : أنّ ما أفاد المصنّف قدس‌سره في المقام وقع مورد النقض والإبرام بين الأعلام.

فأورد عليه المحقّق النائينيّ بما حاصله : أنّ عدم دلالة دليل الاستصحاب على التعبّد بالآثار الشرعيّة المترتّبة على لوازم المستصحب وإن كان مسلّما إلّا أنّ دعوى دلالة أدلّة حجّيّة الأمارة على أنّها تحكي عن لوازم مؤدّاها ممنوعة ، لأنّ الحكاية من العناوين القصديّة ، فيختصّ موردها بما إذا كان الحاكي ملتفتا إلى لوازم الملزومات ، كما في موارد اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ أو اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ مع كون المخبر ملتفتا إلى الملازمة ، فحينئذ يكون الإخبار عن الشيء إخبارا عن لازمه. وأمّا في غير هذه الموارد فلا يكون الإخبار عن الشيء إخبارا عن لازمه ، فلا يصحّ أن يقال : إنّ الإخبار عن الملزوم في باب الأمارات يكون إخبارا عن لازمه. فوائد الاصول ٤ : ٤٩٢.

وأجاب عنه المحقّقان العراقيّ والأصفهانيّ :

أمّا المحقّق العراقيّ : فأجاب عن الإيراد بوجهين :

أحدهما : أنّه لا يعتبر القصد في الحكاية التصديقيّة عن لازم الشيء وملازمه ، بل انّما يعتبر القصد في الحكاية عن المؤدّى ، كما يشهد له بناء العرف والعقلاء في محاوراتهم.

ثانيهما : أنّ المعتبر في الحكاية القصديّة عن لوازم المؤدّى هو القصد الإجماليّ لا التفصيليّ ، وهو حاصل في باب الإخبار ، فإنّ من يخبر عن شيء يلتفت إلى لوازمه ويحكي عنه بنحو الإجمال ، ولو لم يلتفت إلى خصوصيّاتها تفصيلا ، فيتحقّق القصد الإجماليّ ، وهو كاف في صدق الحكاية عنه ، كما يشهد لذلك موارد الإقرار بشيء ، حيث يعدّ إقرارا بلوازمه وإن لم يلتفت المقرّ إلى خصوصيّات اللوازم تفصيلا. نهاية الأفكار ٤ : ١٨٤.

وأمّا المحقّق الأصفهانيّ : فأجاب عن الإيراد بقوله : «إنّ الأمارة تارة على الموضوعات ، كالبيّنة على شيء ، فاللازم حينئذ كون ما يخبر به الشاهدان ـ من عمد وقصد ـ ملتفتا إليه نوعا ؛ واخرى كالخبر عن الإمام عليه‌السلام ، فإنّ شأن المخبر بما هو مخبر حكاية الكلام الصادر عن الإمام عليه‌السلام بماله من المعنى الملتفت إليه بجميع خصوصيّاته للإمام عليه‌السلام ، لا للمخبر ، إذ ربّ حامل فقه وليس بفقيه ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، فمجرّد عدم التفات المخبر بلوازم الكلام المخبر عنه لا يوجب عدم حجّيّة المداليل الالتزاميّة للكلام الصادر عن الإمام عليه‌السلام ، فإنّ كلّها ملتفت إليها للمتكلّم بها». نهاية الدراية ٣ : ٢٣٠.

ثمّ إنّ المحقّق النائينيّ ذكر وجها آخر لاعتبار مثبتات الأمارات دون الاصول. وتعرّض له تلميذه السيّد المحقّق الخوئيّ ثمّ أورد عليه بوجهين ، فراجع ما أفاداه في فوائد الاصول ٤ : ٤٩٢ ، ومصباح الاصول ٣ : ١٥٤ ـ ١٥٥.

[التنبيه] الثامن : [دفع توهّم مثبتيّة الأصل في موارد ثلاثة]

[المورد الأوّل : ترتّب الأثر على المستصحب بواسطة محموله المتّحد معه وجودا]

انّه لا تفاوت في الأثر المترتّب على المستصحب بين أن يكون مترتّبا عليه بلا وساطة شيء أو بوساطة عنوان كلّيّ ينطبق ويحمل عليه بالحمل الشائع ويتّحد معه وجودا ، كان منتزعا عن مرتبة ذاته أو بملاحظة بعض عوارضه ممّا هو خارج المحمول لا بالضميمة (١) ، فإنّ الأثر في الصورتين إنّما

__________________

(١) توضيح كلامه : أنّ الأثر المترتّب على الشيء على أقسام :

الأوّل : أن يكون مترتّبا على نفس المستصحب بلا واسطة شيء ، كما إذا علمنا بعدالة زيد ثمّ شككنا في بقاء عدالته ، فنستصحب عدالته ، ويثبت جواز الائتمام به الّذي هو من آثار العدالة المستصحبة. وقد مرّ أنّ مثل هذا الأثر يترتّب على المستصحب بلا إشكال.

الثاني : أن يكون مترتّبا على لازم المستصحب أو ملزومه أو ملازمه أوّلا وبالذات ، وعلى المستصحب بواسطة لازمه أو ملزومه أو ملازمه. وقد مرّ عدم جواز ترتيب مثل هذا الأثر على المستصحب.

الثالث : أن لا يكون مترتّبا على المستصحب ، ولا عليه بواسطة لازمه ، بل يكون مترتّبا عليه بواسطة محموله المتّحد معه وجودا. وهذا هو محلّ البحث في المقام ، فهل يترتّب على المستصحب ما يكون أثرا لمحموله أم لا؟

ذهب المصنّف قدس‌سره إلى التفصيل ، لأنّ للمحمول المتّحد معه وجودا صور ثلاث :

الاولى : أن يكون منتزعا عن مرتبة ذات المستصحب ، كما إذا كان المحمول نوعه أو جنسه أو فصله. مثلا : إذا كان في الخارج خمر ، وشككنا في بقائه من جهة الشكّ في صيرورته خلّا ، فنستصحب بقاء هذا الفرد من الخمر ، فهل يترتّب عليه أثر الخمريّة الكلّيّة الّتي هي جنس لذلك الفرد ، فيحكم بحرمته أو نجاسته الّتي من أحكام طبيعة الخمر ، أو لا يترتّب عليه؟ أو إذا كان المستصحب فرد من أفراد الإنسان وشكّ في بقائه ، فهل يترتّب عليه آثار الإنسانيّة الكلّيّة باستصحاب بقائه أم لا؟

الثانية : أن يكون منتزعا عن عارضه الّذي هو من قبيل خارج المحمول ، كما إذا كان محموله الملكيّة أو الزوجيّة ، مثلا : إذا كان محمّد زوج فاطمة ، ثمّ شكّ في حياة محمّد ، واستصحبنا حياته ، فهل يترتّب عليه آثار الزوجيّة ـ كعدم جواز نكاح زوجته مع غيره ـ أو لا يترتّب عليه آثارها؟ ـ

يكون له (١) حقيقة حيث لا يكون بحذاء ذاك الكلّيّ (٢) في الخارج سواه ، لا لغيره ممّا كان مباينا معه أو من أعراضه ممّا كان محمولا عليه بالضميمة كسواده مثلا أو بياضه ؛ وذلك لأنّ الطبيعيّ إنّما يوجد بعين وجود فرده ، كما أنّ العرضيّ كالملكيّة والغصبيّة ونحوهما لا وجود له إلّا بمعنى وجود منشأ انتزاعه ، فالفرد أو منشأ الانتزاع في الخارج هو عين ما رتّب عليه الأثر ، لا شيء آخر ، فاستصحابه لترتيبه لا يكون بمثبت ، كما توهّم (٣).

[المورد الثاني : الأثر المترتّب الّذي مجعول بمنشإ انتزاعه]

وكذا لا تفاوت في الأثر المستصحب أو المترتّب عليه بين أن يكون مجعولا

__________________

ـ الثالثة : أن يكون منتزعا عن عارضه الّذي هو من قبيل المحمول بالضميمة ـ أي ما يحاذيه شيء في الخارج ـ ، كما إذا كان محموله الأبيض أو الأسود وغيرهما من الأعراض الّتي لها وجود في الخارج سوى وجود معروضاتها ، وإن كانت قائمة بها. فإذا كان محمّد أبيضا وشكّ في وجوده واستصحبنا وجوده فهل يترتّب عليه ما يكون أثرا لبياضه أم لا يترتّب عليه؟

ظاهر إطلاق كلام الشيخ الأعظم أنّه لا يترتّب على المستصحب أثر محموله مطلقا.

والمصنّف قدس‌سره فصلّ بين هذه الأقسام ، فذهب إلى عدم كون الصورتين الأوليين من الأصل المثبت وكون الصورة الأخيرة من الأصل المثبت.

واستدلّ عليه بأنّ مورد الأصل المثبت هو ما إذا كانت الواسطة مغايرة وجودا للمستصحب ، كما في الصورة الأخيرة ؛ وأمّا إذا اتّحدا وجودا لم يكن ترتيب أثر الواسطة على المستصحب من الأصل المثبت ، ضرورة أنّ الكلّيّ المحمول على المستصحب موجود بعين وجود المستصحب ، فيكون الأثر المترتّب عليه أثر المستصحب حقيقة. ولا فرق في ذلك بين المحمولات المنتزعة عن مقام الذات والمحمولات المنتزعة عن عوارضها الّتي تكون من قبيل خارج المحمول.

وألحق السيّد الإمام الخمينيّ ما يكون من قبيل خارج المحمول بالمحمول بالضميمة.

راجع الرسائل ١ : ١٨٧ ـ ١٨٨.

(١) أي : للمستصحب.

(٢) أي : ذلك الكلّيّ المحمول على المستصحب ، كالخمريّة والإنسانيّة في الصورة الأولى ، والزوجيّة في الصورة الثانية.

(٣) والظاهر أنّ المتوهّم هو الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ٣ : ٢٣٥ ـ ٢٣٦.

شرعا بنفسه ـ كالتكليف وبعض أنحاء الوضع (١) ـ أو بمنشإ انتزاعه ـ كبعض [آخر من] (٢) أنحائه كالجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة ـ ، فإنّه أيضا ممّا تناله يد الجعل شرعا ، ويكون أمره بيده الشارع وضعا ورفعا ولو بوضع منشأ انتزاعه ورفعه. ولا وجه لاعتبار أن يكون المترتّب أو المستصحب مجعولا مستقلّا ، كما لا يخفى. فليس استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطيّة أو المانعيّة بمثبت ـ كما ربّما توهّم (٣) ـ بتخيّل أنّ الشرطيّة أو المانعيّة ليست من الآثار الشرعيّة بل من الامور الانتزاعيّة ، فافهم (٤).

[المورد الثالث : استصحاب عدم التكليف وترتيب آثاره]

وكذا لا تفاوت في المستصحب أو المترتّب بين أن يكون ثبوت الأثر ووجوده أو نفيه وعدمه ، ضرورة أنّ أمر نفيه بيد الشارع كثبوته.

وعدم إطلاق الحكم على عدمه (٥) غير ضائر ، إذ ليس هناك ما دلّ على اعتباره (٦) بعد صدق نقض اليقين بالشكّ برفع اليد عنه كصدقه برفعها من طرف ثبوته ، كما هو واضح.

__________________

(١) أمّا التكليف فمثل الوجوب والحرمة. والوضع مثل الحجّيّة والقضاوة والولاية وغيرها.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٣) والمتوهّم هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ١٢٧.

(٤) ولا يخفى : أنّ السيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد ما أنكر كون الشرطيّة من آثار وجود الشرط كي تترتّب على استصحاب الشرط ، وذهب إلى أنّها منتزعة في مرحلة الجعل عن أمر المولى بشيء مقيّدا بشيء آخر ، بحيث يكون التقيّد داخلا والقيد خارجا ـ وجّه جريان الاستصحاب في الشرط بأنّه لا ملزم لاعتبار كون المستصحب بنفسه مجعولا شرعيّا أو موضوعا لمجعول شرعيّ ، كي يقال : «إنّ الشرطيّة ليست مجعولة شرعيّة» ، بل المعتبر في جريان الاستصحاب كون المستصحب قابلا للتعبّد ، والحكم بوجود الشرط كذلك ، فإنّ معنى جريان الاستصحاب في الشرط هو الاكتفاء بوجوده الاحتماليّ في مقام الامتثال بالتعبّد الشرعيّ ، فلا محذور في استصحابه. موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٢٠٦ ـ ٢٠٩.

(٥) أي : عدم الأثر.

(٦) أي : اعتبار إطلاق الحكم على المستصحب.