درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۹۶: استصحاب ۳۷

 

يكون له (١) حقيقة حيث لا يكون بحذاء ذاك الكلّيّ (٢) في الخارج سواه ، لا لغيره ممّا كان مباينا معه أو من أعراضه ممّا كان محمولا عليه بالضميمة كسواده مثلا أو بياضه ؛ وذلك لأنّ الطبيعيّ إنّما يوجد بعين وجود فرده ، كما أنّ العرضيّ كالملكيّة والغصبيّة ونحوهما لا وجود له إلّا بمعنى وجود منشأ انتزاعه ، فالفرد أو منشأ الانتزاع في الخارج هو عين ما رتّب عليه الأثر ، لا شيء آخر ، فاستصحابه لترتيبه لا يكون بمثبت ، كما توهّم (٣).

[المورد الثاني : الأثر المترتّب الّذي مجعول بمنشإ انتزاعه]

وكذا لا تفاوت في الأثر المستصحب أو المترتّب عليه بين أن يكون مجعولا

__________________

ـ الثالثة : أن يكون منتزعا عن عارضه الّذي هو من قبيل المحمول بالضميمة ـ أي ما يحاذيه شيء في الخارج ـ ، كما إذا كان محموله الأبيض أو الأسود وغيرهما من الأعراض الّتي لها وجود في الخارج سوى وجود معروضاتها ، وإن كانت قائمة بها. فإذا كان محمّد أبيضا وشكّ في وجوده واستصحبنا وجوده فهل يترتّب عليه ما يكون أثرا لبياضه أم لا يترتّب عليه؟

ظاهر إطلاق كلام الشيخ الأعظم أنّه لا يترتّب على المستصحب أثر محموله مطلقا.

والمصنّف قدس‌سره فصلّ بين هذه الأقسام ، فذهب إلى عدم كون الصورتين الأوليين من الأصل المثبت وكون الصورة الأخيرة من الأصل المثبت.

واستدلّ عليه بأنّ مورد الأصل المثبت هو ما إذا كانت الواسطة مغايرة وجودا للمستصحب ، كما في الصورة الأخيرة ؛ وأمّا إذا اتّحدا وجودا لم يكن ترتيب أثر الواسطة على المستصحب من الأصل المثبت ، ضرورة أنّ الكلّيّ المحمول على المستصحب موجود بعين وجود المستصحب ، فيكون الأثر المترتّب عليه أثر المستصحب حقيقة. ولا فرق في ذلك بين المحمولات المنتزعة عن مقام الذات والمحمولات المنتزعة عن عوارضها الّتي تكون من قبيل خارج المحمول.

وألحق السيّد الإمام الخمينيّ ما يكون من قبيل خارج المحمول بالمحمول بالضميمة.

راجع الرسائل ١ : ١٨٧ ـ ١٨٨.

(١) أي : للمستصحب.

(٢) أي : ذلك الكلّيّ المحمول على المستصحب ، كالخمريّة والإنسانيّة في الصورة الأولى ، والزوجيّة في الصورة الثانية.

(٣) والظاهر أنّ المتوهّم هو الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ٣ : ٢٣٥ ـ ٢٣٦.

شرعا بنفسه ـ كالتكليف وبعض أنحاء الوضع (١) ـ أو بمنشإ انتزاعه ـ كبعض [آخر من] (٢) أنحائه كالجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة ـ ، فإنّه أيضا ممّا تناله يد الجعل شرعا ، ويكون أمره بيده الشارع وضعا ورفعا ولو بوضع منشأ انتزاعه ورفعه. ولا وجه لاعتبار أن يكون المترتّب أو المستصحب مجعولا مستقلّا ، كما لا يخفى. فليس استصحاب الشرط أو المانع لترتيب الشرطيّة أو المانعيّة بمثبت ـ كما ربّما توهّم (٣) ـ بتخيّل أنّ الشرطيّة أو المانعيّة ليست من الآثار الشرعيّة بل من الامور الانتزاعيّة ، فافهم (٤).

[المورد الثالث : استصحاب عدم التكليف وترتيب آثاره]

وكذا لا تفاوت في المستصحب أو المترتّب بين أن يكون ثبوت الأثر ووجوده أو نفيه وعدمه ، ضرورة أنّ أمر نفيه بيد الشارع كثبوته.

وعدم إطلاق الحكم على عدمه (٥) غير ضائر ، إذ ليس هناك ما دلّ على اعتباره (٦) بعد صدق نقض اليقين بالشكّ برفع اليد عنه كصدقه برفعها من طرف ثبوته ، كما هو واضح.

__________________

(١) أمّا التكليف فمثل الوجوب والحرمة. والوضع مثل الحجّيّة والقضاوة والولاية وغيرها.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٣) والمتوهّم هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ١٢٧.

(٤) ولا يخفى : أنّ السيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد ما أنكر كون الشرطيّة من آثار وجود الشرط كي تترتّب على استصحاب الشرط ، وذهب إلى أنّها منتزعة في مرحلة الجعل عن أمر المولى بشيء مقيّدا بشيء آخر ، بحيث يكون التقيّد داخلا والقيد خارجا ـ وجّه جريان الاستصحاب في الشرط بأنّه لا ملزم لاعتبار كون المستصحب بنفسه مجعولا شرعيّا أو موضوعا لمجعول شرعيّ ، كي يقال : «إنّ الشرطيّة ليست مجعولة شرعيّة» ، بل المعتبر في جريان الاستصحاب كون المستصحب قابلا للتعبّد ، والحكم بوجود الشرط كذلك ، فإنّ معنى جريان الاستصحاب في الشرط هو الاكتفاء بوجوده الاحتماليّ في مقام الامتثال بالتعبّد الشرعيّ ، فلا محذور في استصحابه. موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٢٠٦ ـ ٢٠٩.

(٥) أي : عدم الأثر.

(٦) أي : اعتبار إطلاق الحكم على المستصحب.

فلا وجه للإشكال في الاستدلال على البراءة باستصحاب البراءة من التكليف وعدم المنع عن الفعل بما في الرسالة من : «أنّ عدم استحقاق العقاب في الآخرة ليس من اللوازم المجعولة الشرعيّة» (١) ، فإنّ عدم استحقاق العقوبة وإن كان غير مجعول ، إلّا أنّه لا حاجة إلى ترتيب أثر مجعول في استصحاب عدم المنع ، وترتّب عدم الاستحقاق مع كونه عقليّا على استصحابه إنّما هو لكونه لازم مطلق عدم المنع ولو في الظاهر ، فتأمّل (٢).

__________________

(١) فرائد الاصول ٢ : ٥٩ ـ ٦٠.

(٢) لا يخفى عليك : إنّ الإشكال المذكور انّما يرد على الشيخ الأعظم إذا كان منعه عن الاستدلال بالاستصحاب للبراءة مبنيّا على عدم جريان الاستصحاب في العدميّ ، فيشكل عليه بأنّ عدم التكليف أيضا مجعول ، فإنّه مما تناله يد التشريع.

ولكن الظاهر أنّه ليس مبنيّا عليه ، كيف وقد ذكر القول بالتفصيل بين الوجوديّ والعدميّ ، ثمّ ردّه بعدم الفرق بينهما من حيث شمول أدلّة الاستصحاب ، راجع فرائد الاصول ٣ : ٢٧ ـ ٣١ ؛ ويظهر من كلامه في كتاب أحكام الخلل في الصلاة : ٣٣ أنّه التزم بجريان الاستصحاب في عدم التكليف ، بل هو صريح كلامه في فرائد الاصول ٣ : ٤٠ و ٢١٦ ؛ بل يكون منعه عن استصحاب البراءة مبنيّا على أنّ بعد جريان الاستصحاب إمّا أن يحتمل العقاب فلا بدّ في الحكم بالبراءة من الرجوع إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فلتكن هي المرجع من أوّل الأمر ، والرجوع إلى الاستصحاب لغو ؛ وإمّا أن لا يحتمل العقاب مستندا بأنّ الاستصحاب يوجب القطع بعدم استحقاقه ، وهذا غير صحيح ، لأنّ عدم استحقاق العقاب ليس من الأحكام المجعولة الشرعيّة كي يصحّ ترتّبه على الاستصحاب ، بل هو من الأحكام العقليّة ، فلا يترتّب على الاستصحاب المزبور.

وبالجملة : إنّ المستفاد من كلام الشيخ في فرائد الاصول أنّه منع عن استصحاب البراءة مستدلّا بعدم جريان الاستصحاب في الحكم العقليّ ، لا مستدلّا بعدم جريانه في الحكم العدميّ. والإشكال الّذي ذكره المصنّف قدس‌سره انّما يرد عليه إذا كان منعه عن ذلك مستندا إلى عدم جريانه في الحكم العدميّ ، وهو كما ترى.

ويؤيّده ما ذكر في موضع آخر من قوله : «وممّا ذكرنا من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقليّ يظهر ما في تمسّك بعضهم لإجزاء ما فعله الناسي لجزء من العبادة أو شرطها باستصحاب عدم التكليف الثابت حال النسيان». فرائد الاصول ٣ : ٢١٨.

نعم ، صرّح الشيخ في بعض رسائله الفقهيّة بأنّ حكم الشارع بالعدم ليس من قبيل الحكم ـ