درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۰۸: استصحاب ۴۹

 

وإن كان مفادهما على النحو الثاني (١) فلا بدّ من التمسّك بالعامّ بلا كلام ، لكون موضوع الحكم بلحاظ هذا الزمان (٢) من أفراده ، فله الدلالة على حكمه ، والمفروض عدم دلالة الخاصّ على خلافه.

وإن كان مفاد العامّ على النحو الأوّل والخاصّ على النحو الثاني (٣) فلا مورد للاستصحاب ، فإنّه وإن لم يكن هناك دلالة أصلا (٤) إلّا أنّ انسحاب حكم الخاصّ إلى غير مورد دلالته من إسراء حكم موضوع إلى آخر (٥) ، لا استصحاب حكم الموضوع. ولا مجال أيضا للتمسّك بالعامّ ، لما مرّ آنفا (٦) ، فلا بدّ من الرجوع إلى سائر الاصول (٧).

وإن كان مفادهما على العكس (٨) كان المرجع هو العامّ ، للاقتصار في تخصيصه بمقدار دلالة الخاصّ. ولكنّه لو لا دلالته (٩) لكان الاستصحاب مرجعا ، لما عرفت من أنّ الحكم في طرف الخاصّ قد اخذ على نحو صحّ استصحابه (١٠).

__________________

(١) وهو أن يكون الزمان في العامّ والخاصّ مأخوذا على نحو القيديّة والمفرّديّة.

(٢) أي : ما بعد زمان التخصيص ، وهو يوم الجمعة في المثال السابق.

(٣) فيكون الزمان في العامّ مأخوذا على نحو الظرفيّة ، وفي الخاصّ على نحو القيديّة.

(٤) أي : لا للعامّ ولا للخاصّ ، ضرورة أنّه لا دلالة لهما على حكم ما بعد زمان الخاصّ.

(٥) أي : إلى موضوع آخر. وذلك لأنّ مقتضى مفرّديّة الزمان للخاصّ هو مغايرة الموضوع في غير زمان الخاصّ لما هو الموضوع في زمانه.

(٦) حيث قال : «لعدم دلالة للعامّ على حكمه ، لعدم دخوله على حدة في موضوعه وانقطاع الاستمرار بالخاصّ ...».

(٧) وهو في المقام أصالة البراءة ، حيث يشكّ بعد زمان الخاصّ في ثبوت التكليف بالنسبة إلى الأفراد ، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في التكليف ، وتجري أصالة البراءة.

(٨) وهو أن يكون الزمان في العامّ مأخوذا على نحو القيديّة ، وفي الخاصّ على نحو الظرفيّة.

(٩) أي : لو لا دلالة العامّ على حكم ما بعد زمان الخاصّ.

(١٠) توضيحه : أنّه إذا كان الزمان فى العامّ مأخوذا على نحو القيديّة والمفرّديّة ، وفي الخاصّ على نحو الظرفيّة والاستمرار ، يكون المرجع حينئذ في غير مورد دلالة الخاصّ هو العامّ. ـ

فتأمّل تعرف أنّ إطلاق كلام شيخنا العلّامة «أعلى الله مقامه» في المقام نفيا وإثباتا في غير محلّه (١).

__________________

ـ وذلك لأنّ مقتضى مفرّديّة الزمان في العامّ أنّ ما بعد زمان الخاصّ أيضا فرد من أفراد العامّ ، فمع دلالة العامّ على حكم ما بعد زمان الخاصّ لا مجال لاستصحاب حكم الخاصّ ، لعدم جريان الأصل مع الدليل. نعم ، لو ابتلى العامّ بمانع ـ كما إذا كان له معارض ـ لكان استصحاب حكم الخاصّ مرجعا في هذه الصورة ، لأنّ المفروض أنّ الزمان في الخاصّ مأخوذ على نحو الظرفيّة ، ومع الظرفيّة لا تنثلم وحدة الموضوع ـ بخلاف القيديّة ، فإنّها تنثلم وحدة الموضوع ويتعدّد ، كما مرّ ـ ، فيصحّ جريان الاستصحاب فيما بعد زمان الخاصّ.

(١) حاصل ما أفاد الشيخ الأعظم هو التفصيل بين ما إذا اخذ الزمان في العامّ إفراديّا ، بحيث يكون كلّ فرد من أفراد العامّ محكوما بأحكام متعدّدة بتعدّد آنات الزمان وقطعه ، وبين ما إذا اخذ الزمان قطعة واحدة لبيان استمرار الحكم. فعلى الأوّل يعمل عند الشكّ بالعموم ولا يجري الاستصحاب ، وعلى الثاني يجري الاستصحاب. فرائد الاصول ٣ : ٢٧٤.

والمصنّف رحمه‌الله وإن وافق الشيخ في تقسيمه للعامّ إلى قسمين ، ولكن خالفه في إطلاق الحكم بكون القسم الأوّل موردا لأصالة العموم دون الاستصحاب وكون القسم الثاني موردا للاستصحاب دون أصالة العموم. حاصل ما أفاده : أنّه لا بدّ من ملاحظة الزمان المأخوذ في دليل الخاصّ أيضا ؛ فإذا اخذ الزمان في العامّ والخاصّ على نحو الظرفيّة ولبيان استمرار الحكم فلا مانع من التمسّك بالاستصحاب ، إلّا فيما إذا كان التخصيص من أوّل أزمنة العموم ؛ وإذا اخذ الزمان في العامّ على نحو الظرفيّة وفي الخاصّ على نحو القيديّة فلا يمكن التمسّك بالاستصحاب ، كما لا مجال للتمسّك بالعموم أيضا ، بل يرجع إلى أصل آخر من البراءة أو الاشتغال حسب ما يقتضيه المقام ؛ وإذا اخذ الزمان في العامّ على نحو القيديّة وفي الخاصّ على نحو الظرفيّة فالمتعيّن الرجوع إلى العامّ إن لم يكن له معارض ، وإلّا يتمسّك بالاستصحاب ؛ وإذا اخذ الزمان فيهما على نحو القيديّة فلا بدّ من التمسّك بالعامّ.

ولا يخفى : أنّ كثيرا من الأعلام خالفوهما في المقام.

فذهب المحقّق النائينيّ إلى تفصيل آخر ، فقال : «كلّ مورد كان مصبّ العموم الزمانيّ متعلّق الحكم فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه عند الشكّ في التخصيص الزمانيّ أو في مقداره ، بل لا بدّ فيه من الرجوع إلى عموم العامّ لو كان ، وإلّا فإلى البراءة والاشتغال. وفي كلّ مورد كان مصبّ العموم الزمانيّ نفس الحكم فلا مجال للتمسّك فيه بالعامّ الزمانيّ عند الشكّ في التخصيص أو في مقداره ، بل لا بدّ فيه من الرجوع إلى الاستصحاب لو تمّت أركانه وإلّا فإلى البراءة أو الاشتغال» فوائد الاصول ٤ : ٥٤٣.

[التنبيه] الرابع عشر : [جريان الاستصحاب مع الظنّ بالخلاف]

الظاهر أنّ الشكّ في أخبار الباب وكلمات الأصحاب هو خلاف اليقين ، فمع الظنّ بالخلاف فضلا عن الظنّ بالوفاق يجري الاستصحاب.

ويدلّ عليه ـ مضافا إلى أنّه كذلك لغة كما في الصحاح (١) ، وتعارف استعماله فيه في الأخبار في غير باب (٢) ـ قوله عليه‌السلام في أخبار الباب : «ولكن تنقضه بيقين آخر» ، حيث إنّ ظاهره أنّه في بيان تحديد ما ينقض به اليقين ، وأنّه ليس إلّا اليقين.

وقوله عليه‌السلام أيضا : «لا ، حتّى يستيقن أنّه قد نام» ، بعد السؤال عنه عليه‌السلام عمّا إذا

__________________

ـ وذهب المحقّق العراقيّ إلى تفصيل آخر ، حاصله : أنّ الزمان إذا اخذ في العامّ على نحو القيديّة والمفرّديّة يكون المرجع هو العموم الزمانيّ مطلقا ، من غير فرق بين أن يكون الزمان في دليل الخاصّ مأخوذا على نحو القيديّة وبين أن يكون مأخوذا على نحو الظرفيّة ، ولا بين كون الخروج من وسط الأزمنة أو من أوّلها. وإذا اخذ في العامّ على نحو الاستمرار والدوام وكان العامّ ناظرا إلى إثبات حكم سنخيّ لذات موضوع المستمرّ في أجزاء الزمان على نحو قابل للتكثّر تحليلا فيكون المرجع عند الشكّ هو عموم هذا العامّ دون الاستصحاب. وأمّا إذا كان العامّ ناظرا إلى حيث وحدة الحكم وشخصيّته بنحو غير قابل للتكثّر ولو تحليلا فلا محيص عن الرجوع إلى استصحاب حكم المخصّص. نهاية الأفكار ٤ : ٢٣١ ـ ٢٣٤.

والظاهر من كلام المحقّق الاصفهانيّ أنّ المرجع هو عموم العامّ ولا مجال للتمسّك بالاستصحاب مطلقا. نهاية الدراية ٣ : ٢٦١ ـ ٢٦٥.

وصرّح السادة المحقّقون ـ البروجرديّ والخمينيّ والخوئيّ ـ بأنّ المرجع هو أصالة العموم مطلقا. راجع الحاشية على الكفاية (للبروجرديّ) ٢ : ٤٣٩ ، الرسائل (للإمام الخمينيّ) ١ : ٢٠٧ ـ ٢١٢ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٢٦٠ ـ ٢٦٦.

(١) بل في أكثر كتب اللغة. فراجع الصحاح ٤ : ١٥٩٤ ، القاموس المحيط ٣ : ٣٠٩ ، تاج العروس ٧ : ١٥٠ ، لسان العرب ١٠ : ٤٥١ ، مجمع البحرين ٢ : ٥٣٦.

(٢) راجع وسائل الشيعة ٥ : ٣٢٩ ، الباب ١٦ من أبواب لخلل الواقع في الصلاة ، الأحاديث ٢ ، ٤ ، ٥ ؛ والصفحة : ٣٣٧ ، الباب ٢٣ منها ، الحديث ٩.

وقد تعرّض الشيخ الأعظم الأنصاريّ لتلك الأخبار ، وتبيّن وجه ظهورها في استعمال الشكّ في خلاف اليقين ، فراجع فرائد الاصول ٣ : ٢٨٥ ـ ٢٨٦.

حرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم ، حيث دلّ بإطلاقه ـ مع ترك الاستفصال بين ما إذا أفادت هذه الأمارة الظنّ وما إذا لم تفد ، بداهة أنّها لو لم تكن مفيدة له دائما لكانت مفيدة له أحيانا ـ على عموم النفي لصورة الإفادة.

وقوله عليه‌السلام بعده (١) : «ولا تنقض اليقين بالشكّ» ، أنّ الحكم (٢) في المغيّى مطلقا (٣) هو عدم نقض اليقين بالشكّ ، كما لا يخفى.

وقد استدلّ عليه أيضا بوجهين آخرين (٤) :

الأوّل : الإجماع القطعيّ على اعتبار الاستصحاب مع الظنّ بالخلاف على تقدير اعتباره من باب الأخبار.

وفيه : أنّه لا وجه لدعواه ولو سلّم اتّفاق الأصحاب على الاعتبار (٥) ، لاحتمال أن يكون ذلك من جهة ظهور دلالة الأخبار عليه (٦).

الثاني : أنّ الظنّ غير المعتبر إن علم بعدم اعتباره بالدليل فمعناه أنّ وجوده كعدمه عند الشارع ، وأنّ كلّ ما يترتّب شرعا على تقدير عدمه فهو المترتّب على تقدير وجوده ؛ وإن كان ممّا شكّ في اعتباره فمرجع رفع اليد عن اليقين بالحكم الفعليّ السابق بسببه إلى نقض اليقين بالشكّ ، فتأمّل جيّدا.

وفيه : أنّ قضيّة عدم اعتباره ـ لإلغائه أو لعدم الدليل على اعتباره ـ لا يكاد يكون إلّا عدم إثبات مظنونه به (٧) تعبّدا ليترتّب عليه آثاره شرعا ، لا ترتيب آثار الشكّ مع عدمه ، بل لا بدّ حينئذ في تعيين أنّ الوظيفة أيّ أصل من الاصول العمليّة

__________________

(١) أي : بعد قوله عليه‌السلام : «لا ، حتّى يستيقن أنّه قد نام».

(٢) هكذا في النسخ. والصواب أن يقول : «على أنّ الحكم» أي : ويدلّ قوله عليه‌السلام على أنّ الحكم ...

(٣) أي : ولو كان الظنّ على خلافه.

(٤) استدلّ بهما الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ٣ : ٢٨٥ ـ ٢٨٦.

(٥) أي : على اعتبار الاستصحاب مع الظنّ بالخلاف.

(٦) فيصير الإجماع مدركيّا لا يصلح للركون إليه.

(٧) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «المظنون به» أي : المظنون بالظنّ غير المعتبر.