درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۱۰: استصحاب ۵۱

 

من الدليل (١) ، فلو فرض عدم دلالة الأخبار معه (٢) على اعتبار الاستصحاب فلا بدّ من الانتهاء إلى سائر الاصول بلا شبهة ولا ارتياب. ولعلّه اشير إليه بالأمر بالتأمّل (٣) ، فتأمّل جيّدا.

تتمّة

[في بيان شرطين من شرائط الاستصحاب]

لا يذهب عليك : أنّه لا بدّ في الاستصحاب من بقاء الموضوع وعدم أمارة معتبرة هناك ولو على وفاقه ، فهنا مقامان :

المقام الأوّل : [اعتبار بقاء الموضوع]

انّه لا إشكال في اعتبار بقاء الموضوع ، بمعنى اتّحاد القضيّة المشكوكة مع المتيقّنة موضوعا كاتّحادهما حكما ، ضرورة أنّه بدونه لا يكون الشكّ في البقاء ، بل في الحدوث ، ولا رفع اليد عن اليقين في محلّ الشكّ نقض اليقين بالشكّ. فاعتبار البقاء بهذا المعنى لا يحتاج إلى زيادة بيان وإقامة برهان.

والاستدلال عليه ب «استحالة انتقال العرض إلى موضوع آخر ، لتقوّمه بالموضوع وتشخّصه به» (٤) ، غريب ، بداهة أنّ استحالته حقيقة غير مستلزم

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى سوق العبارة هكذا : «بل لا بدّ من الدليل على أنّ الوظيفة أيّ أصل من الاصول العمليّة؟».

(٢) أي : مع الظنّ غير المعتبر.

(٣) أي : لعلّه اشير في كلام الشيخ إلى الإشكال بالأمر بالتأمّل حيث قال : «فتأمّل جدّا». فرائد الاصول ٣ : ٢٨٦.

(٤) هذا ما استدلّ به الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ٢٩٠ ـ ٢٩١. وتوضيحه : أنّ الحكم عارض على الموضوع ، فإذا جرى الاستصحاب في بقاء الحكم العارض على الموضوع الّذي لم يعلم بقاؤه لاحقا لزم إمّا بقاء العرض ـ أي الحكم ـ بلا موضوع ، وهو محال ، لأنّ الموضوع من علل تشخّص العرض وقوامه في الخارج ، فبقاؤه بلا موضوع ممتنع ؛ وإمّا انتقاله إلى موضوع آخر ، وهذا أيضا محال ، لأنّ الحكم ببقاء العرض حينئذ ليس إبقاؤه لنفس ذلك العرض ، بل هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع آخر.

لاستحالته تعبّدا والالتزام بآثاره شرعا (١).

وأمّا (٢) بمعنى إحراز وجود الموضوع خارجا فلا يعتبر قطعا في جريانه ، لتحقّق أركانه بدونه. نعم ، ربما يكون ممّا لا بدّ منه في ترتيب بعض الآثار. ففي استصحاب عدالة زيد لا يحتاج إلى إحراز حياته لجواز تقليده ، وإن كان محتاجا إليه في جواز الاقتداء به أو وجوب إكرامه أو الإنفاق عليه.

وإنّما الإشكال كلّه في أنّ هذا الاتّحاد هل هو بنظر العرف أو بحسب دليل الحكم أو بنظر العقل؟ (٣)

__________________

(١) توضيح الإيراد : أنّ بقاء العرض على قسمين : تكوينىّ وتعبّديّ. ولا شكّ في أنّ البقاء الحقيقيّ التكوينيّ للعرض لا ينفكّ عن بقاء معروضه حقيقة ، وإلّا يستلزم أحد المحذورين المذكورين من بقاء العارض بلا موضوع وانتقال العرض من موضوع إلى موضوع آخر.

وأمّا في البقاء التشريعيّ التعبّديّ فيمكن انفكاكه عن موضوع وانتقاله إلى موضوع آخر ، فإنّ البقاء التعبّدي ـ وهو مفاد الاستصحاب ـ ليس إلّا ترتيب آثار وجود المستصحب بأمر الشارع ، فلا استحالة في التعبّد بانتقال عرض من موضوع إلى موضوع آخر ، ضرورة أنّه لا استحالة في أمر المولى بأنّك إن كنت على يقين من عدالة زيد فتعبّد بعدالة أبيه بترتيب آثارها.

وبالجملة : أنّ البرهان العقليّ المذكور إنّما يثبت استحالة انتقال العرض حقيقة من موضوع إلى موضوع آخر ، ولا يثبتها تعبّدا.

واورد عليه بوجوه أخر أيضا :

منها : أنّ الدليل المذكور أخصّ من المدّعى ، لأنّ المستصحب لا يكون من الأعراض القائمة بالموضوعات الخارجيّة دائما ، بل قد يكون من الجواهر ، وقد يكون من الامور الاعتباريّة ، وقد يكون من الامور العدميّة.

ومنها : أنّ أدلّة الاستصحاب وافية باعتبار اتّحاد القضيّتين موضوعا ومحمولا ، فيكون الاستدلال بهذا البرهان العقليّ تبعيد للمسافة.

(٢) معطوف على قوله : «بمعنى اتّحاد القضيّة المشكوكة مع المتيقّنة».

(٣) المراد من الاتّحاد بنظر العقل والاتّحاد بنظر العرف واضح ، كما كان الفرق بينهما أيضا واضحا ، فإنّ في كثير من الموارد الّتي يحكم العقل باختلاف الموضوع بالدقّة العقليّة يحكم العرف باتّحاده ، مثلا : إذا شكّ في بقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّر أوصافه بنفسه فالعقل يحكم بأنّ الماء المتغيّر موضوع والماء الّذي زال تغيّره موضوع آخر ، لاحتمال دخل التغيّر في موضوع النجاسة وكونه من مقوّماته ، فلا مجال للاستصحاب ، بخلاف العرف ، ـ

فلو كان مناط الاتّحاد هو نظر العقل ، فلا مجال للاستصحاب في الأحكام ، لقيام احتمال تغيّر الموضوع في كلّ مقام شكّ في الحكم بزوال بعض خصوصيّات

__________________

ـ فإنّه يحكم بأنّهما واحد ويكون التغيّر من حالات الموضوع الواحد ، لا من مقوّماته.

وإنّما المهمّ هو معنى الاتّحاد بحسب دليل الحكم. وتوضيحه : أنّ لسان الدليل الدالّ على ثبوت الحكم في الموضوع مختلف. فقد يكون بحيث لا يمكن جريان الاستصحاب ، وقد يكون بحيث لا مانع من جريانه. مثلا : لو سافر أحد في أوّل الوقت ووصل إلى وطنه آخره ، وشكّ في أنّ الواجب عليه هل هو القصر لكونه مسافرا في أوّل الوقت ، أو التمام لكونه حاضرا في آخره؟ فحينئذ لا بدّ من الرجوع إلى لسان الدليل الدالّ على وجوب القصر ، فتارة يقول المولى : «إنّ المسافر يقصّر» ، واخرى يقول : «انّ المكلّف إن سافر يقصّر». فمفاد الكلامين وإن كان واحدا بحسب المعنى ، وهو وجوب القصر على المسافر ، إلّا أنّ لسانهما مختلف بحسب مقام الإثبات ، فإنّ الموضوع في الأوّل عنوان المسافر ، وفي الثاني هو عنوان المكلّف مع كون السفر شرطا لوجوب القصر عليه. فعلى الأوّل لا يمكن جريان الاستصحاب فيه ، إذ الموضوع لوجوب القصر هو المسافر وهو حين الشكّ حاضر ، فلا يكون الموضوع في القضيّة المتيقّنة والمشكوكة واحدا. وعلى الثاني فلا مانع من جريان الاستصحاب ، إذ الموضوع لوجوب القصر هو المكلّف الّذي سافر ، وهو باق في ظرف الشكّ ، فيكون الموضوع في المتيقّنة والمشكوكة واحد ، فيجري استصحاب وجوب القصر.

ولا يخفى : أنّ الفرق بين النظر العرفيّ والنظر بحسب لسان الدليل أنّ للعرف نظرين :

أحدهما : نظره بما هو أهل المحاورة وفي مقام التفاهم ، فيفهم من الدليل بحسب متفاهم الألفاظ وفي مقام المحاورة أنّ الموضوع للحكم هو الأمر الكذائيّ الّذي تكون الخصوصيّات من مقوّماته ، أو يفهم منه أنّ الموضوع له هو الأمر الكذائيّ الّذي لا تكون الخصوصيّات من مقوّماته ، بل تكون من حالاته ، فيحكم بوحدة الموضوع أو مغايرته بحسب ما يفهم من لفظ الدليل.

ثانيهما : نظره بحسب ما يرتكز لديه من مناسبات الأحكام وموضوعاتها.

وأشار المصنّف رحمه‌الله بالفرق بينهما بقوله الآتي : «كما أنّه ربما لا يكون موضوع الدليل بنظر العرف بخصوصه موضوعا ...» فإنّ كلامه هذا جواب عن سؤال مقدّر ، وهو أنّه ما المراد من جعل النظر العرفيّ في مقابل النظر بحسب لسان الدليل؟ وما الفرق بينهما؟.

وهذا السؤال قرّ به الأعلام الثلاثة بوجوه مختلفة إيرادا على المقابلة المذكورة ، وأجابوا عنه ، فراجع فوائد الاصول ٤ : ٥٧٥ ، نهاية الأفكار ٤ (القسم الثاني) : ١٠ ، نهاية الدراية ٣ : ٢٧٦ ـ ٢٧٧.

موضوعه ، لاحتمال دخله فيه (١) ، ويختصّ بالموضوعات (٢) ، بداهة أنّه إذا شكّ في حياة زيد شكّ في نفس ما كان على يقين منه حقيقة.

بخلاف ما لو كان بنظر العرف أو بحسب لسان الدليل ، ضرورة أنّ انتفاء بعض الخصوصيّات وإن كان موجبا للشكّ في بقاء الحكم ، لاحتمال دخله في موضوعه ، إلّا أنّه ربما لا يكون بنظر العرف ولا في لسان الدليل من مقوّماته ، كما أنّه ربما لا يكون موضوع الدليل بنظر العرف بخصوصه موضوعا ، مثلا : إذا ورد «العنب إذا غلى يحرم» ، كان العنب بحسب ما هو المفهوم عرفا هو خصوص العنب ، ولكنّ العرف بحسب ما يرتكز في أذهانهم ويتخيّلونه من المناسبات بين الحكم وموضوعه يجعلون الموضوع للحرمة ما يعمّ الزبيب ، ويرون العنبيّة والزبيبيّة من حالاته المتبادلة (٣) ، بحيث لو لم يكن الزبيب محكوما بما حكم به العنب كان عندهم من ارتفاع الحكم عن موضوعه ، ولو كان محكوما به كان من بقائه ، ولا ضير في أن يكون الدليل بحسب فهمهم على خلاف ما ارتكز في أذهانهم بسبب ما تخيّلوه من الجهات والمناسبات فيما إذا لم تكن بمثابة تصلح قرينة على صرفه (٤) عمّا هو ظاهر فيه.

ولا يخفى : أنّ النقض وعدمه حقيقة يختلف بحسب الملحوظ من الموضوع ، فيكون نقضا بلحاظ موضوع ولا يكون بلحاظ موضوع آخر (٥). فلا بدّ في تعيين

__________________

(١) أي : لاحتمال دخل بعض الخصوصيّات في الموضوع ، فإذا زال بعض الخصوصيّات زال الموضوع.

(٢) أي : الموضوعات الّتي يحكم العقل بوحدتها في القضيّتين المتيقّنة والمشكوكة.

(٣) الّتي لا يوجب انتفاؤها ارتفاع الموضوع.

(٤) أي : صرف الدليل.

(٥) أي : قد يصدق نقض اليقين بالشكّ على رفع اليد عن الحكم السابق في مورد بلحاظ ، ولا يصدق النقض المذكور في نفس المورد بلحاظ آخر ، فيصدق النقض بلحاظ حكم العرف باتّحاد الموضوع في القضيّتين ، ولا يصدق بلحاظ حكم العقل بمغايرته فيهما ، أو يصدق النقض في مورد بلحاظ لسان دليل ، ولا يصدق في نفس المورد بلحاظ لسان دليل آخر.