درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۱۵: استصحاب ۵۶

 

وأمّا الثاني : فالتعارض بين الاستصحابين إن كان لعدم إمكان العمل بهما بدون علم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما ـ كاستصحاب وجوب أمرين حدث بينهما التضادّ في زمان الاستصحاب ـ فهو من باب تزاحم الواجبين (١).

وإن كان مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما ، فتارة يكون المستصحب في أحدهما من الآثار الشرعيّة لمستصحب الآخر ، فيكون الشكّ فيه مسبّبا عن الشكّ فيه ، كالشكّ في نجاسة الثوب المغسول بماء مشكوك الطهارة وقد كان طاهرا ، واخرى لا يكون كذلك ؛ فإن كان أحدهما أثرا للآخر ، فلا مورد إلّا للاستصحاب في طرف السبب ، فإنّ الاستصحاب في طرف المسبّب موجب لتخصيص الخطاب (٢) وجواز نقض اليقين بالشكّ في طرف السبب بعدم ترتيب أثره الشرعيّ ، فإنّ من آثار طهارة الماء طهارة الثوب المغسول به ورفع نجاسته ، فاستصحاب نجاسة الثوب نقض لليقين بطهارته ؛ بخلاف استصحاب طهارته ، إذ لا يلزم منه نقض يقين بنجاسة الثوب بالشكّ ، بل باليقين بما هو رافع لنجاسته ، وهو غسله بالماء المحكوم شرعا بطهارته.

وبالجملة : فكلّ من السبب والمسبّب وإن كان موردا للاستصحاب ، إلّا أنّ الاستصحاب في الأوّل بلا محذور ، بخلافه في الثاني ، ففيه محذور التخصيص بلا وجه إلّا بنحو محال ؛ فاللازم الأخذ بالاستصحاب السببيّ (٣).

__________________

(١) فيتخيّر بينهما إن لم يكن أحد المستصحبين أهمّ ، وإلّا فيتعيّن الأخذ بالأهمّ. ولا مجال لتوهّم أنّه لا يكاد يكون هناك أهمّ ، لأجل أنّ إيجابهما إنّما يكون من باب واحد ، وهو استصحابهما من دون مزيّة في أحدهما أصلا كما لا يخفى. وذلك لأنّ الاستصحاب إنّما يتبع المستصحب. فكما يثبت به الوجوب والاستحباب يثبت به كلّ مرتبة منهما فتستصحب ، فلا تغفل ، منه [أعلى الله مقامه].

(٢) أي : خطاب «لا تنقض اليقين بالشكّ».

(٣) وسرّ ذلك أنّ رفع اليد عن اليقين في مورد السبب يكون فردا لخطاب «لا تنقض اليقين» ونقضا لليقين بالشكّ مطلقا بلا شكّ ، بخلاف رفع اليد عن اليقين في مورد المسبّب ، فإنّه إنّما يكون فردا له إذا لم يكن حكم حرمة النقض يعمّ النقض في مورد السبب ، وإلّا لم يكن بفرد له ، إذ حينئذ يكون من نقض اليقين باليقين ، ضرورة أنّه يكون رفع اليد عن نجاسة الثوب ـ

نعم ، لو لم يجر هذا الاستصحاب بوجه (١) لكان الاستصحاب المسبّبيّ جاريا ، فإنّه لا محذور فيه حينئذ مع وجود أركانه وعموم خطابه.

و (٢) إن لم يكن المستصحب في أحدهما من الآثار للآخر فالأظهر جريانهما فيما لم يلزم منه محذور المخالفة القطعيّة للتكليف الفعليّ المعلوم إجمالا (٣) ،

__________________

ـ المغسول بماء محكوم بالطهارة شرعا باستصحاب طهارته لليقين بأنّ كلّ ثوب نجس يغسل بماء كذلك يصير طاهرا شرعا.

وبالجملة : من الواضح لمن له أدنى تأمّل أنّ اللازم في كلّ مقام كان للعامّ فرد مطلق وفرد كان فرديّته له معلّقة على عدم شمول حكمه لذاك الفرد المطلق ـ كما في المقام ـ أو كان هناك عامّان كان لأحدهما فرد مطلق وللآخر فرد كانت فرديّته معلّقة على عدم شمول حكم ذاك العامّ لفرده المطلق ـ كما هو الحال في الطرق في مورد الاستصحاب ـ هو الالتزام بشمول حكم العامّ لفرده المطلق ، حيث لا مخصّص له ، ومعه لا يكون فرد آخر يعمّه أو لا يعمّه. ولا مجال لأن يلتزم بعدم شمول حكم العامّ للفرد المطلق ليشمل حكمه لهذا الفرد ، فإنّه يستلزم التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر ، كما لا يخفى على ذوي البصائر. منه [أعلى الله مقامه].

(١) كابتلائه بمعارض ، كما إذا كان هناك ماءان طاهران ، ثمّ تنجّس أحدهما إجمالا ، فإذا غسل الثوب المتنجّس بأحد الماءين كان استصحاب نجاسة الثوب ـ الّذي هو استصحاب مسبّبيّ ـ جاريا ، ولا يجري استصحاب طهارة الماء ـ الّذي هو استصحاب سببيّ ـ ، لكونه معارضا بالاستصحاب في الإناء المشتبه الآخر.

(٢) وفي النسخة الأصليّة سقط متن الكتاب من هنا إلى المقصد الثامن.

(٣) توضيح ذلك : أنّه إن لم يكن الشكّ في مورد أحد الاستصحابين مسبّبا عن الشكّ في مورد الآخر ، فهو على قسمين :

أحدهما : ما يلزم من جريان الاستصحاب في الطرفين محذور المخالفة العمليّة القطعيّة ، كما إذا علمنا بطهارة إناءين ، ثمّ علمنا بطروء النجاسة على أحدهما إجمالا ، فحينئذ يكون إجراء استصحاب الطهارة في الإناءين موجبا للمخالفة العمليّة القطعيّة. وهو الترخيص في المعصية ، وهو قبيح ، ففي مثل ذلك لا يجري الاستصحاب.

ثانيهما : ما لا يلزم من جريان الاستصحاب في الطرفين محذور المخالفة العمليّة القطعيّة ، وإن تلزم المخالفة الالتزاميّة ، كما إذا علمنا بنجاسة إناءين تفصيلا ، ثمّ علمنا بطهارة أحدهما إجمالا ، فحينئذ لا تلزم من إجراء استصحاب النجاسة في كليهما والاجتناب عنهما مخالفة عمليّة.

لوجود المقتضي (١) إثباتا وفقد المانع (٢) عقلا.

أمّا وجود المقتضي : فلإطلاق الخطاب (٣) وشموله للاستصحاب في أطراف المعلوم بالإجمال ، فإنّ قوله عليه‌السلام ـ في ذيل بعض أخبار الباب (٤) ـ :«ولكن تنقض اليقين باليقين» لو سلّم أنّه يمنع عن شمول قوله عليه‌السلام ـ في صدره ـ : «لا تنقض اليقين بالشكّ» لليقين والشكّ في أطرافه (٥) ، للزوم المناقضة في مدلوله ، ضرورة المناقضة بين السلب الكلّيّ والإيجاب الجزئيّ (٦) ، إلّا أنّه

__________________

ـ ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ في القسم الثاني إلى عدم جريان الاستصحاب فيهما. فرائد الاصول ٣ : ٤٠٧.

وتبعه المحقّق النائينيّ والمحقّق العراقيّ. راجع فوائد الاصول ٤ : ٦٩٣ ، وأجود التقريرات ٢ : ٤٩٩ ، نهاية الأفكار ٤ (القسم الثاني) : ١١٨ ـ ١١٩.

وذهب المصنّف رحمه‌الله إلى جريانهما ، لوجود المقتضي إثباتا وفقد المانع عقلا. وتبعه السيّد الخوئيّ والمحقّق الايروانيّ. راجع الهداية في الاصول ٤ : ٢٢٠ ، نهاية النهاية ٢ : ٢٣٢.

(١) وهو دلالة الدليل الدالّ على حجّيّة الاستصحاب ، كما سيأتي تفصيله.

(٢) وهو لزوم المعصية والمخالفة العمليّة.

(٣) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «فلعموم الخطاب».

(٤) كصحيحة زرارة الاولى.

(٥) أي : في أطراف العلم الإجماليّ.

(٦) هذا ما استدلّ به الشيخ الأعظم الأنصاريّ على عدم جريان الاستصحابين. حاصله : دعوى إجمال دليل الاستصحاب بالنسبة إلى المقام. وتوضيحه : أنّ مقتضى إطلاق الشكّ في قوله عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشكّ» ـ في صحيحة زرارة الاولى ـ هو شموله للشكّ المقرون بالعلم الإجماليّ وجريان الاستصحاب في الطرفين في المقام. ومقتضى إطلاق اليقين في قوله عليه‌السلام : «ولكن تنقضه بيقين آخر» هو شموله للعلم الإجماليّ وعدم جريان الاستصحاب في أحد الطرفين. فيكون مقتضى الإطلاق الأوّل هو الإيجاب الكلّيّ ـ أي جريان الاستصحاب في الطرفين ـ ومقتضى الإطلاق الثاني هو السلب الجزئيّ ـ أي عدم جريان أحدهما ـ ، ومن المعلوم أنّ السلب الجزئيّ مناقض للإيجاب الكلّيّ ، فلا يمكن الأخذ بكلا الطرفين ، ولا بأحدهما ، حيث لا قرينة على تعيين الأخذ بأحدهما ، فيصير الدليل مجملا ولا يمكن التمسّك به لجريان الاستصحاب في المقام. فرائد الاصول ٣ : ٤٠٧ ـ ٤١٠.

لا يمنع عن عموم النهي في سائر الأخبار (١) ـ ممّا ليس فيه الذيل ـ وشموله لما في أطرافه ، فإنّ إجمال ذاك الخطاب لذلك لا يكاد يسري إلى غيره ممّا ليس فيه ذلك.

وأمّا فقد المانع : فلأجل أنّ جريان الاستصحاب في الأطراف لا يوجب إلّا المخالفة الالتزاميّة ، وهو ليس بمحذور ، لا شرعا ولا عقلا.

ومنه قد انقدح عدم جريانه في أطراف العلم بالتكليف فعلا (٢) أصلا ، ولو في بعضها ، لوجوب الموافقة القطعيّة له عقلا ، ففي جريانه لا محالة يكون محذور المخالفة القطعيّة أو الاحتماليّة ، كما لا يخفى.

تذنيب

[في بيان حكم تعارض الاستصحاب مع القواعد الفقهيّة]

لا يخفى : أنّ مثل قاعدة التجاوز في حال الاشتغال بالعمل وقاعدة الفراغ بعد الفراغ عنه وأصالة صحّة عمل الغير ، إلى غير ذلك من القواعد المقرّرة في الشبهات

__________________

(١) وأجاب عنه المصنّف رحمه‌الله بوجهين.

أحدهما : ما أشار إليه بقوله : «لو سلّم ...». وحاصله : أنّ الظاهر كون المراد من اليقين في قوله عليه‌السلام : «ولكن تنقضه بيقين آخر» هو خصوص اليقين التفصيليّ ، فلا يشمل اليقين الإجماليّ ، وحينئذ لا مانع من التمسّك بإطلاق الشكّ في قوله : «لا تنقض اليقين بالشكّ» وجريان الاستصحاب في الطرفين.

ثانيهما : ما أشار إليه بقوله : «إلّا أنّه لا يمنع ...». وحاصله : أنّ هذا الذيل ـ «ولكن تنقضه بيقين آخر» ـ ليس موجودا في جميع أدلّة الاستصحاب ، بل ليس في صحيحة زرارة الثانية وصحيحته الثالثة ورواية محمّد بن مسلم وغيرها ، فيكون إطلاق الشكّ فيها شاملا للشكّ المقرون بالعلم الإجماليّ ويجوز التمسّك بعموم النهي عن نقض اليقين بالشكّ وجريان الاستصحاب في المقام ، ضرورة أنّ إجمال الدليل الموجود في الصحيحة الاولى المذيّلة بقوله عليه‌السلام : «ولكن تنقضه بيقين آخر» لا يسري إلى غيرها ممّا ليس فيه ذلك الذيل.

(٢) أي : ممّا ذكرنا ـ من أنّ المانع من جريان الاستصحاب هو المخالفة العمليّة ـ يظهر عدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجماليّ فيما كان المعلوم بالإجمال حكما فعليّا.