درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۱۸: تعارض الدلیلین ۱

 

المقصد الثامن (١)

في تعارض الأدلّة والأمارات (٢)

[وفيه فصول :]

__________________

(١) لا يخفى : أنّ المصنّف رحمه‌الله جعل مباحث التعارض من مقاصد علم الاصول ، لا خاتمة مباحثه. والوجه في ذلك أنّ مباحث التعارض من أهمّ المسائل الاصوليّة. كيف والبحث عنها في الواقع بحث عن فقد المانع عن حجّيّة الأخبار بعد وجود المقتضي لحجّيّتها ، فلا وجه لجعل مباحث التعارض خاتمة لعلم الاصول ، كما صنعه بعض المتقدّمين بل بعض المتأخّرين ، فراجع الفصول الغرويّة : ٤٣٥ ، ومعالم الدين : ٢٥٠ ، وفرائد الاصول ٤ : ٧ ، ومفاتيح الاصول :٦٧٩ ، وفوائد الاصول ٤ : ٦٩٩ ، ومنتهى الاصول ٢ : ٥٥ ، ونهاية الأفكار ٤ «القسم الثاني» : ١٢٤.

(٢) ولا يخفى : أنّهم ذكروا في عنوان المسألة عبارات مختلفة ، فقد يقال : «التعادل والترجيح» ، كما في معالم الدين : ٢٦٦ ، وإرشاد الفحول : ٢٧٣. وقد يقال : «التعادل والتراجيح» ، كما في فرائد الاصول ٤ : ٧ ، وبحر الفوائد ٤ : ٢ ، ونهاية السئول ٤ : ٤٣٢. وقد يقال : «الترجيح في الأخبار» كما في مبادئ الوصول : ٢٢٩. وقد يقال : «التراجيح بين الأخبار» كما في معارج الاصول : ١٥٤.

وعدل المصنّف رحمه‌الله عن هذه العناوين بقوله : «في تعارض الأدلّة والأمارات». والظاهر أنّ هذا العنوان أولى من تلك العناوين ، قال المحقّق النائيني : «والأولى تبديل العنوان بالتعارض ، فإنّ التعادل والترجيح من الأوصاف والحالات اللاحقة للدليلين المتعارضين ، فكان الأنسب جعل العنوان للمتعمّم والجامع بينهما». فوائد الاصول ٤ : ٦٩٩.

فصل

[بيان ضابط التعارض]

[المختار في تعريف التعارض]

التعارض هو : «تنافي الدليلين أو الأدلّة بحسب الدلالة ومقام الإثبات على وجه التناقض أو التضادّ حقيقة أو عرضا بأن علم بكذب أحدهما إجمالا مع عدم امتناع اجتماعهما أصلا» (١).

__________________

(١) لا يخفى : أنّ التحقيق حول ما أفاد المصنّف رحمه‌الله فى بيان ضابط التعارض متوقّف على بيان امور :

الأمر الأوّل : في كلمات الأصحاب في بيان ضابط التعارض ، وهي مختلفة :

منها : أنّ التعارض عبارة عن تنافي المدلولين. وهذا ما ذهب إليه المشهور على ما يظهر من فرائد الاصول ٤ : ١١ ، بل هو صريح نهاية الأفكار ٤ : ١٢٤.

واختاره أيضا كثير من المعاصرين ، وأضاف إليه بعضهم قيد «على وجه التناقض» ، وبعض آخر منهم قيد «على وجه لا يمكن اجتماعهما». راجع فوائد الاصول ٤ : ٧٠٠ ، درر الفوائد (للمحقّق الحائريّ) ٢ : ٢٦٢ ، مصباح الاصول ٣ : ٣٤٦ ، المحاضرات ٣ : ٢٢٣ ، الرسائل (للإمام الخمينيّ) ٢ : ٥.

ومنها : أنّ التعارض هو تنافي الدليلين باعتبار تنافي مدلوليهما. فالتنافي أوّلا وبالذات بين المدلولين ، وينسب إلى الدليلين ثانيا وبالعرض. وهذا ما يظهر من الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٤ : ١١.

وفيهما : أنّ التعارض عبارة عن تنافي الدليلين أو الأدلّة بلحاظ مقام الإثبات والدلالة ، لا بلحاظ مدلولها. وهذا ما ذهب إليه المصنّف رحمه‌الله وسيأتي توضيحه.

الأمر الثاني : في توضيح ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في تعريف التعارض. وهو متفرّع على ـ

__________________

ـ بيان مفرداته.

أحدها : قوله : «تنافي» ، وهو بمعنى الطرد والدفع.

ثانيها : قوله : «دليلين أو الأدلّة» ، ومعناه : كون كلّ واحد من الدليلين أو الأدلّة طاردا للدليل الآخر ومكذّبا له.

ثالثها : قوله : «بحسب الدلالة ومقام الإثبات». ومراده من الدلالة والإثبات هو الحجّيّة ، فيكون التعارض عبارة عن أن يكون كلّ واحد من الدليلين أو الأدلّة طاردا لحجّيّة الدليل الآخر ، بمعنى أنّ كلّا منهما يبطل الآخر ويكذّبه.

رابعها : قوله : «على وجه التناقض أو التضاد». وفي كلامه هذا وجهان :

الأوّل : أن يكون مراده أنّ التنافي في الدلالة قد يكون على وجه التناقض ، كما قد يكون على وجه التضادّ. ولكنّه غير متصوّر ، لأنّ الدلالة من الامور الوجوديّة ، فلا يتصوّر التنافي بين الدلالتين إلّا على وجه التضادّ.

الثاني : أن يكون مراده أنّ التنافي في دلالة الدليلين أو الأدلّة قد يكون ناشئا من تنافي مدلوليهما بنحو التناقض ، كما في دلالة أحدهما على وجوب شيء والآخر على عدم وجوبه ، وقد يكون ناشئا من تنافي مدلوليهما بنحو التضادّ ، كما إذا دلّ أحدهما على وجوب شيء والآخر على استحبابه ـ بناء على تضادّ الوجوب والاستحباب ـ.

والظاهر أنّ الوجه الثاني هو مراد المصنّف رحمه‌الله في المقام.

ويشهد له كلامه في فوائد الاصول : ١٠١ ، حيث قال : «التعارض وإن كان هو تنافي الدليلين بحسب المدلول ، للتناقض أو التضادّ بين المدلولين ، أو العلم بثبوت أحدهما إجمالا».

ويشهد له أيضا كلامه في درر الفوائد : ٤٢٦ ، حيث قال : «ولا ينافي ذلك ـ أي كون التعارض وصفا قائما بنفس الدليلين ـ كون المنشأ تنافي المدلولين ، لسراية التنافي إليهما بما هما دليلان أيضا ، فلا تغفل».

وعليه فلا موجب لتوجيه أخذ التناقض في التعريف بما ذكره المحقّق الاصفهانيّ من أنّه إذا دلّ الخبرين على وجوب شيء والآخر على عدمه فيكونان متناقضين بلحاظ استحقاق العقوبة على الترك وعدم استحقاقه. نهاية الدراية ٣ : ٣١٦ ـ ٣١٧.

خامسها : قوله : «حقيقة أو عرضا ...». ومعناه : أنّ التنافي على وجه التضادّ إمّا حقيقيّ وإمّا عرضيّ. قال المصنّف في درر الفوائد : ٤٢٦ : «حقيقة بأن يمتنع واقعا اجتماعهما ولو بحسب الشرع ، أو علما بأن علم إجمالا كذب أحدهما ، كتعارض دليلي الظهر والجمعة يومها ، والقصر والإتمام في بعض الموارد ، وكذا لو علم إجمالا بكذب أحد الخبرين ولو كان أحدهما ـ

__________________

ـ في أبواب الطهارات والآخر في الديات».

الأمر الثالث : في بيان الفرق بين التعاريف وبيان وجه عدول المصنّف رحمه‌الله إلى ما في المتن.

فنقول : إنّ الظاهر من كلمات المصنّف في «درر الفوائد» و «فوائد الاصول» أنّه لا فرق بين تعريفه وتعريف الشيخ الأعظم ، فإنّ المستفاد من كلماتهما أنّ التعارض وصف لنفس الدليلين وقائم بهما حقيقة بلا رعاية عناية ، غاية الأمر أنّ منشأ تنافيهما في الحجّيّة هو تمانع مدلوليهما.

وإنّما الكلام في الفارق بين تعريفيهما وتعريف المشهور. وحاصله : أن ظاهر تعريفيهما كون التنافي وصفا لنفس الدليلين من باب وصف الشيء بحال نفسه لا بلحاظ متعلّقه ، غاية الأمر كان منشأ تنافيهما تمانع مدلوليهما ؛ بخلاف تعريف المشهور ، فإنّ ظاهره كون التنافي من صفات نفس المدلولين من باب وصف الشيء بحال نفسه وكونه من صفات الدليلين من باب وصف الشيء بحال متعلّقه.

والفرق بينهما بما ذكر ينتج خروج موارد الحكومات والتوفيقات العرفيّة عن تعريف التعارض بناء على تعريف المصنّف والشيخ ، لعدم تحقّق التنافي بين الدليلين أو الأدلّة في مرحلة الحجّيّة في هذه الموارد ، بداهة أنّ الدليل الحاكم في موارد الحكومات ليس إلّا شارحا للدليل المحكوم ، فلا مانع من شمول دليل حجّيّة خبر الثقة لكلا الدليلين ؛ كما أنّ في موارد التوفيقات العرفيّة يكون الجمع العرفيّ مانعا عن حجّيّة الظاهر في قبال الأظهر وعن حجّيّة الأظهر في قبال النصّ ، وهكذا ، فلا تنافي بينهما في مقام الإثبات والدلالة. وينتج دخول هذه الموارد في تعريف التعارض بناء على تعريف المشهور ، لتحقّق التنافي بين المدلولين أو المداليل في هذه الموارد حينئذ.

وهذا هو العمدة في وجه عدول المصنّف رحمه‌الله عن تعريف المشهور إلى ما في المتن ، فإنّ تعريف المشهور يشمل كلّ دليلين متنافيين مدلولا ، سواء كان بينهما منافاة دلالة وإثباتا أو لم يكن كما في موارد الحكومات والتوفيقات العرفيّة ، وعليه فلا بدّ من إجراء أحكام التعارض ـ من التخيير أو الترجيح ـ في تلك الموارد ، مع أنّ عدم جريانها في هذه الموارد معلوم.

الأمر الرابع : في بعض ما أوردوه على تعريف المصنّف رحمه‌الله ، وهو وجوه :

الأوّل : أنّ غرض المصنّف رحمه‌الله من العدول عن تعريف المشهور هو إخراج موارد الحكومة والجمع العرفيّ عن تعريف التعارض. وهو حاصل بلا حاجة إلى العدول ، لعدم التنافي بين المدلولين في تلك الموارد ، فتكون هذه الموارد خارجة عن التعارض بناء على تعريف المشهور أيضا. فوائد الاصول ٤ : ٧١٠ ـ ٧١٥ ، مصباح الاصول ٣ : ٣٤٧.

الثاني : أنّ تعريف المصنّف رحمه‌الله وإن أخرج موارد الجمع العرفيّ عن موضوع التعارض ، ـ

[خروج الحكومات والتوفيقات العرفيّة عن التعريف]

وعليه فلا تعارض بينهما بمجرّد تنافي مدلولهما إذا كان بينهما حكومة رافعة للتعارض والخصومة ، بأن يكون أحدهما قد سيق ناظرا إلى بيان كميّة ما اريد من الآخر ، مقدّما كان أو مؤخّرا (١).

أو كانا على نحو إذا عرضا على العرف وفّق بينهما بالتصرّف في خصوص أحدهما ، كما هو مطّرد في مثل الأدلّة المتكفّلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأوّليّة (٢) مع مثل الأدلّة النافية للعسر (٣) والحرج (٤)

__________________

ـ إلّا أنّه لا وجه لإخراجها عن مقاصد الباب لمحض عدم إعمال المرجّحات السنديّة أو التخيير في مواردها ، ليكون التكلّم في أحكام الجمع وما يتعلّق به في هذا المبحث استطرادا. نهاية الأفكار ٤ (القسم الثاني) : ١٢٥.

الثالث : أنّه لا حاجة إلى ذكر كلمة «التضادّ» في التعريف ، لأنّ التضاد يرجع إلى التناقض باعتبار الدلالة الالتزاميّة ، فإنّ الدليل على الوجوب ينفي الحرمة بالالتزام كما أنّ الدليل على الحرمة ينفي الوجوب بالالتزام ، فيكون أحدهما دالّا على الوجوب بالمطابقة والآخر على عدمه بالالتزام ، وكذا بالنسبة إلى دليل الحرمة. راجع حواشي العلّامة المشكينيّ على الكفاية ٥ : ١١٦ ، ومصباح الاصول ٣ : ٣٤٦.

وفيما ذكروه مناقشات ، يطول شرحها ، ولا يهمّ التعرّض لها الآن ، بل ينافي ما كنا بصدده من الاكتفاء بإيضاح كلمات المصنّف رحمه‌الله والإشارة إلى بعض ما أفاده تلاميذه.

(١) فلا تعارض بين ما يدلّ على أنّ وظيفة الشاكّ في عدد الركعات هو البناء على الأكثر وبين ما دلّ على أنه لا شكّ لكثير الشكّ ، فإنّ الدليل الثاني حاكم على الدليل الأوّل ، لدلالته على أنّ كثير الشكّ ليس بنظر الشارع من أفراد الشكّ.

(٢) كقوله تعالى : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ النور / ٥٦ ، وقوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ البقرة / ١٨٣ ، وقوله تعالى : ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ آل عمران / ٩٦ ، وقوله تعالى : ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ الأنعام / ١٢١ ، وغيرها من الآيات الدالّة على ثبوت الأحكام الوجوبيّة أو التحريميّة للموضوعات بعناوينها الأوّليّة.

(٣) كقوله تعالى : ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ البقرة / ١٨٥.

(٤) كقوله تعالى : ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحجّ / ٧٨.

والضرر (١) والإكراه والاضطرار (٢) ممّا يتكفّل لأحكامها بعناوينها الثانويّة ، حيث يقدّم في مثلهما الأدلّة النافية ، ولا تلاحظ النسبة بينهما أصلا (٣) ، ويتّفق في غيرهما (٤) كما لا يخفى.

أو بالتصرّف فيهما (٥) ، فيكون مجموعهما قرينة على التصرّف فيهما (٦) ، أو في أحدهما المعيّن ولو كان من الآخر أظهر (٧).

__________________

(١) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ضرر ولا ضرار ...» ، الكافي ٥ : ٢٨٠ و ٢٩٤ ، معاني الأخبار : ٢٨١.

(٢) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رفع عن امّتي تسعة : ... وما أكرهوا عليه ... وما اضطرّوا إليه» الخصال : ٤١٧ ، التوحيد : ٣٥٣.

(٣) أي : يقدّم دليل حكم العنوان الثانويّ على دليل حكم العنوان الأوّليّ ، وإن كانت النسبة بينهما عموما من وجه.

(٤) أي : غير أدلّة أحكام العناوين الأوّلية وأدلّة أحكام العناوين الثانويّة.

(٥) معطوف على قوله : «بالتصرّف في خصوص أحدهما».

(٦) مثاله : ما إذا ورد : «ثمن العذرة سحت» [وسائل الشيعة ١٢ : ١٢٦ ، الباب ٤٠ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١] ، وورد أيضا : «لا بأس ببيع العذرة» [نفس المصدر ، الحديث ٢ و ٣] ، فإنّ العرف يوفّق بينهما بحمل العذرة في الأوّل على عذرة الإنسان بمناسبة الحكم والموضوع ، وفي الثاني على عذرة مأكول اللحم عن البهائم ، فيكون مجموعهما قرينة على التصرّف فيهما.

(٧) هكذا في النسخة المذيّلة بحواشي العلّامة الرشتيّ. ولكن في أكثر النسخ هكذا : «ولو كان الآخر أظهر». والصواب ما أثبتناه. والأولى أن يقول : «ولو كان أظهر».

والحاصل : أنّ العرف قد يوفّق بين الدليلين بالتصرّف في أحدهما ، ولو كان أظهر من الآخر ، كما إذا ورد عامّان ، وكان التصرّف في أحدهما ـ الّذي كان أظهر من الآخر ـ بتخصيصه بالآخر مستلزما للتخصيص المستهجن ، إذ لا يبقى لهذا العامّ بعد التصرّف إلّا موارد قليلة لا يحسن أن يراد بالعموم ، مثلا : إذا قال المولى : «أكرم الأمير» ، وقال : «لا تكرم الفسّاق» فيكون الثاني أظهر دلالة من الأوّل ، لأنّه يدلّ على إكرام كلّ فاسق بالوضع ، والأوّل يدلّ على إكرام كلّ أمير بالإطلاق ، لكن الدليل الأوّل يقدّم على الثاني في مورد الاجتماع ـ أي الأمير الفاسق ـ ويحكم بوجوب إكرامه ، إذ التصرّف في غير الأظهر ـ وهو قوله : «أكرم الأمير» ـ بالحكم بعدم وجوب إكرام الأمير يوجب قلّة أفراده واختصاص وجوب الإكرام بالأمير العادل ، وهو قليل المورد ، فلا محيص من التصرّف في الأظهر ـ أي قوله : «لا تكرم الفسّاق» ـ بإخراج الأمير الفاسق عن دائرته.

ولذلك (١) تقدّم الأمارات المعتبرة على الاصول الشرعيّة ، فإنّه لا يكاد يتحيّر أهل العرف في تقديمها عليها بعد ملاحظتهما ، حيث لا يلزم منه محذور تخصيص أصلا ؛ بخلاف العكس فإنّه يلزم منه محذور التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر ، كما أشرنا إليه في أواخر الاستصحاب (٢).

وليس وجه تقديمها حكومتها على أدلّتها (٣) ، لعدم كونها ناظرة إلى أدلّتها بوجه.

وتعرّضها لبيان حكم موردها (٤) لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلّتها وشارحة

__________________

(١) لا يخفى : أنّ في المشار إليه بقوله : «لذلك» وجهين :

الأوّل : أن يكون المشار إليه الجمع العرفيّ ، فيكون المعنى : ولأجل كون الدليلين على نحو إذا عرض على العرف وفّق بينهما تقدّم الأمارات المعتبرة على الاصول الشرعيّة.

وعليه ينافي هذا الكلام بظاهره ما تقدّم منه في مبحث الاستصحاب من قوله : «المقام الثاني : أنّه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع الأمارة المعتبرة في صورة ... والتحقيق أنّه للورود».

الثاني : أن يكون المشار إليه هو نفي التعارض بمجرّد تنافي مدلولي الدليلين ، فيكون معنى العبارة : ولأجل عدم التعارض بين الدليلين بمجرّد تنافي مدلوليهما تقدّم الأمارات على الاصول الشرعيّة.

وعليه يكون مراده من تقدّمها عليها هو التقدّم من باب الورود. ولا ينافي ما تقدّم منه في مبحث الاستصحاب. نعم ، ينافي ما ذهب إليه في «درر الفوائد : ١٨٤» من تقدّمها عليها من باب الحكومة.

والأولى حمل كلامه على الوجه الثاني. ويشهد له استدلاله على التقدّم بقوله : «حيث لا يلزم منه ... كما أشرنا إليه في أواخر الاستصحاب». ويشهد له أيضا قوله الآتي : «لا يكاد ترتفع غائلة المطاردة ... إلّا بما أشرنا سابقا وآنفا».

(٢) راجع الصفحة : ٢٧٧ ـ ٢٨٠ من هذا الجزء.

(٣) تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث قال : «وإن كان مؤدّاه ـ أي مؤدّى الأصل ـ من المجهولات الشرعيّة ، كالاستصحاب ونحوه ، كان ذلك الدليل حاكما على الأصل ، بمعنى أنّه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل». فرائد الاصول ٤ : ١٣.

(٤) هذا إشارة إلى وهم ، حاصله : أنّ الأمارة ناظرة إلى أدلّة الاصول ، لأنّها متعرّضة لحكم موردها ، فإذا أخبر العادل بحرمة شرب التتن ـ مثلا ـ فمدلوله المطابقي هو حرمة شربه ، ومدلوله الالتزامي هو نفي ما عدا الحرمة ، وهو الحلّيّة الظاهريّة الّتي هي مفاد أصالة الحلّيّة ، ـ