درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۱۹: تعارض الدلیلین ۲

 

والضرر (١) والإكراه والاضطرار (٢) ممّا يتكفّل لأحكامها بعناوينها الثانويّة ، حيث يقدّم في مثلهما الأدلّة النافية ، ولا تلاحظ النسبة بينهما أصلا (٣) ، ويتّفق في غيرهما (٤) كما لا يخفى.

أو بالتصرّف فيهما (٥) ، فيكون مجموعهما قرينة على التصرّف فيهما (٦) ، أو في أحدهما المعيّن ولو كان من الآخر أظهر (٧).

__________________

(١) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ضرر ولا ضرار ...» ، الكافي ٥ : ٢٨٠ و ٢٩٤ ، معاني الأخبار : ٢٨١.

(٢) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رفع عن امّتي تسعة : ... وما أكرهوا عليه ... وما اضطرّوا إليه» الخصال : ٤١٧ ، التوحيد : ٣٥٣.

(٣) أي : يقدّم دليل حكم العنوان الثانويّ على دليل حكم العنوان الأوّليّ ، وإن كانت النسبة بينهما عموما من وجه.

(٤) أي : غير أدلّة أحكام العناوين الأوّلية وأدلّة أحكام العناوين الثانويّة.

(٥) معطوف على قوله : «بالتصرّف في خصوص أحدهما».

(٦) مثاله : ما إذا ورد : «ثمن العذرة سحت» [وسائل الشيعة ١٢ : ١٢٦ ، الباب ٤٠ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١] ، وورد أيضا : «لا بأس ببيع العذرة» [نفس المصدر ، الحديث ٢ و ٣] ، فإنّ العرف يوفّق بينهما بحمل العذرة في الأوّل على عذرة الإنسان بمناسبة الحكم والموضوع ، وفي الثاني على عذرة مأكول اللحم عن البهائم ، فيكون مجموعهما قرينة على التصرّف فيهما.

(٧) هكذا في النسخة المذيّلة بحواشي العلّامة الرشتيّ. ولكن في أكثر النسخ هكذا : «ولو كان الآخر أظهر». والصواب ما أثبتناه. والأولى أن يقول : «ولو كان أظهر».

والحاصل : أنّ العرف قد يوفّق بين الدليلين بالتصرّف في أحدهما ، ولو كان أظهر من الآخر ، كما إذا ورد عامّان ، وكان التصرّف في أحدهما ـ الّذي كان أظهر من الآخر ـ بتخصيصه بالآخر مستلزما للتخصيص المستهجن ، إذ لا يبقى لهذا العامّ بعد التصرّف إلّا موارد قليلة لا يحسن أن يراد بالعموم ، مثلا : إذا قال المولى : «أكرم الأمير» ، وقال : «لا تكرم الفسّاق» فيكون الثاني أظهر دلالة من الأوّل ، لأنّه يدلّ على إكرام كلّ فاسق بالوضع ، والأوّل يدلّ على إكرام كلّ أمير بالإطلاق ، لكن الدليل الأوّل يقدّم على الثاني في مورد الاجتماع ـ أي الأمير الفاسق ـ ويحكم بوجوب إكرامه ، إذ التصرّف في غير الأظهر ـ وهو قوله : «أكرم الأمير» ـ بالحكم بعدم وجوب إكرام الأمير يوجب قلّة أفراده واختصاص وجوب الإكرام بالأمير العادل ، وهو قليل المورد ، فلا محيص من التصرّف في الأظهر ـ أي قوله : «لا تكرم الفسّاق» ـ بإخراج الأمير الفاسق عن دائرته.

ولذلك (١) تقدّم الأمارات المعتبرة على الاصول الشرعيّة ، فإنّه لا يكاد يتحيّر أهل العرف في تقديمها عليها بعد ملاحظتهما ، حيث لا يلزم منه محذور تخصيص أصلا ؛ بخلاف العكس فإنّه يلزم منه محذور التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر ، كما أشرنا إليه في أواخر الاستصحاب (٢).

وليس وجه تقديمها حكومتها على أدلّتها (٣) ، لعدم كونها ناظرة إلى أدلّتها بوجه.

وتعرّضها لبيان حكم موردها (٤) لا يوجب كونها ناظرة إلى أدلّتها وشارحة

__________________

(١) لا يخفى : أنّ في المشار إليه بقوله : «لذلك» وجهين :

الأوّل : أن يكون المشار إليه الجمع العرفيّ ، فيكون المعنى : ولأجل كون الدليلين على نحو إذا عرض على العرف وفّق بينهما تقدّم الأمارات المعتبرة على الاصول الشرعيّة.

وعليه ينافي هذا الكلام بظاهره ما تقدّم منه في مبحث الاستصحاب من قوله : «المقام الثاني : أنّه لا شبهة في عدم جريان الاستصحاب مع الأمارة المعتبرة في صورة ... والتحقيق أنّه للورود».

الثاني : أن يكون المشار إليه هو نفي التعارض بمجرّد تنافي مدلولي الدليلين ، فيكون معنى العبارة : ولأجل عدم التعارض بين الدليلين بمجرّد تنافي مدلوليهما تقدّم الأمارات على الاصول الشرعيّة.

وعليه يكون مراده من تقدّمها عليها هو التقدّم من باب الورود. ولا ينافي ما تقدّم منه في مبحث الاستصحاب. نعم ، ينافي ما ذهب إليه في «درر الفوائد : ١٨٤» من تقدّمها عليها من باب الحكومة.

والأولى حمل كلامه على الوجه الثاني. ويشهد له استدلاله على التقدّم بقوله : «حيث لا يلزم منه ... كما أشرنا إليه في أواخر الاستصحاب». ويشهد له أيضا قوله الآتي : «لا يكاد ترتفع غائلة المطاردة ... إلّا بما أشرنا سابقا وآنفا».

(٢) راجع الصفحة : ٢٧٧ ـ ٢٨٠ من هذا الجزء.

(٣) تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث قال : «وإن كان مؤدّاه ـ أي مؤدّى الأصل ـ من المجهولات الشرعيّة ، كالاستصحاب ونحوه ، كان ذلك الدليل حاكما على الأصل ، بمعنى أنّه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل». فرائد الاصول ٤ : ١٣.

(٤) هذا إشارة إلى وهم ، حاصله : أنّ الأمارة ناظرة إلى أدلّة الاصول ، لأنّها متعرّضة لحكم موردها ، فإذا أخبر العادل بحرمة شرب التتن ـ مثلا ـ فمدلوله المطابقي هو حرمة شربه ، ومدلوله الالتزامي هو نفي ما عدا الحرمة ، وهو الحلّيّة الظاهريّة الّتي هي مفاد أصالة الحلّيّة ، ـ

لها ، وإلّا كانت أدلّتها (١) أيضا دالّة ـ ولو بالالتزام (٢) ـ على أنّ حكم مورد الاجتماع فعلا هو مقتضى الأصل لا الأمارة ، وهو (٣) مستلزم عقلا نفي ما هو قضيّة الأمارة ، بل ليس مقتضى حجّيّتها (٤) إلّا نفي ما قضيّته عقلا من دون دلالة عليه لفظا ، ضرورة أنّ نفس الأمارة لا دلالة لها إلّا على الحكم الواقعيّ ، وقضيّة حجّيّتها ليست إلّا لزوم العمل على وفقها شرعا المنافي عقلا للزوم العمل على خلافه (٥) وهو قضيّة الأصل ، هذا ؛ مع احتمال أن يقال : إنّه ليس قضيّة الحجّيّة شرعا إلّا لزوم العمل على وفق الحجّة عقلا وتنجّز الواقع مع المصادفة وعدم تنجّزه في صورة المخالفة.

وكيف كان ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب إلغاء احتمال الخلاف تعبّدا كي يختلف الحال ويكون مفاده في الأمارة نفي حكم الأصل حيث إنّه حكم الاحتمال ؛ بخلاف مفاده فيه (٦) ، لأجل أنّ الحكم الواقعيّ ليس حكم احتمال خلافه ، كيف! وهو حكم الشكّ فيه واحتماله. فافهم وتأمّل جيّدا.

فانقدح بذلك أنّه لا يكاد ترتفع غائلة المطاردة والمعارضة بين الأصل

__________________

ـ فكلّ أمارة بمدلولها الالتزاميّ يدلّ على مورد الأصل.

وأجاب عنه المصنّف رحمه‌الله بأنّ المراد من كون الأمارات ناظرة إلى أدلّة الاصول هو خصوص نظرها إليها بالشرح والتفسير بألفاظها ، وهو مفقود في المقام ، لا مطلق النظر والقرينيّة ، وإلّا لزم أن يكون دليل الأصل أيضا حاكما على الأمارة ، بداهة أنّه إذا كان مقتضى الأصل هو الحلّيّة فبما أنّها تنافي الحرمة تدلّ بالالتزام العقليّ على نفيها ، كما أنّ الأمارة تدلّ بالالتزام العقليّ على نفي الحلّيّة.

(١) أي : أدلّة الاصول.

(٢) هكذا في النسخ. ولكن الصواب أن يحذف كلمة : «ولو» ، لأنّ المفروض انحصار الدلالة في الالتزاميّة ، فإنّ قوله : «كلّ شيء حلال ...» إنّما يدلّ بالمطابقة على حلّيّة المشكوك فيه ؛ وأمّا دلالته على نفي حرمته ليست إلّا بالدلالة الالتزاميّة الناشئة من تنافي الحلّ والحرمة.

(٣) أي : وكون حكم مورد الاجتماع فعلا مقتضى الأصل يستلزم عقلا نفي مقتضى الأمارة وهو الحرمة في المثال.

(٤) أي : حجّيّة الأمارة.

(٥) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «على خلافها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى الأمارة.

(٦) أي : بخلاف مفاد دليل الاعتبار في الأصل.