درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۲۲: تعارض الدلیلین ۵

 

لم يكن (١) واحد منهما بحجّة في خصوص مؤدّاه (٢) ، لعدم التعيّن في الحجّة أصلا (٣) ، كما لا يخفى.

نعم ، يكون نفي الثالث بأحدهما ، لبقائه على الحجّيّة وصلاحيّته ـ على ما هو عليه من عدم التعيّن ـ لذلك (٤) ، لا بهما (٥).

__________________

ـ كون كلّ منهما كاذبا ؛ وإمّا معطوفة على قوله : «بلا تعيين ولا عنوان واقعا» ، فيكون معناها : وحيث كان باحتمال كون كلّ منهما كاذبا.

(١) جواب قوله : «حيث كان».

(٢) فيكون الأصل في كلّ منهما هو التساقط بالنسبة إلى خصوص مؤدّاه.

وتبعه في ذلك أكثر المتأخّرين ، منهم : الأعلام الثلاثة والسيّدان العلمان ، فراجع فوائد الاصول ٤ : ٧٥٥ ، نهاية الأفكار ٤ : ١٧٤ ـ ١٧٥ ، نهاية الدراية ٣ : ٣٣٣ ، الرسائل (للإمام الخمينيّ) ٢ : ٣٩ ، مصباح الاصول ٣ : ٣٦٥ ـ ٣٦٧.

(٣) وفي بعض النسخ : «لعدم التعيين في الحجّيّة أصلا» ، وفي بعض آخر : «لعدم التعيّن في الحجّيّة أصلا». والأولى أن يقول : «لعدم تعيين الحجّة أصلا».

(٤) قوله : «لذلك» متعلّق بقوله : «صلاحيّته». والمشار إليه هو النفي الثالث.

(٥) توضيحه : أنّه وقع الكلام في نفي الثالث بالدليلين المتعارضين بمقتضى مدلولهما الالتزاميّ بعد سقوطهما عن الحجّيّة بالنسبة إلى خصوص مؤدّاهما المطابقيّين ، فإذا دلّ دليل على وجوب شيء والآخر على حرمته فهل يصحّ نفي الثالث ـ وهو الإباحة مثلا ـ بأحدهما لا بعينه ، أو يصحّ نفيه بهما معا بما هما حجّتان ، أو يصحّ نفيه بذات الخبرين لا بما هما حجّتان ، أو لا يصحّ نفيه بهما مطلقا؟ فيه أقوال :

الأوّل : أنّه يصحّ نفي الثالث بأحدهما غير المعيّن ، لأن العلم الإجماليّ بكذب أحدهما مانع عن شمول دليل التعبّد لكلّ من المتعارضين ، ولازمه خروج أحدهما عن تحت دليل التعبّد مطلقا بما له من المدلول المطابقيّ والالتزاميّ ، وبقاء الآخر في تحته إجمالا بلا تعيين وعنوان ، فيصحّ نفي الثالث بالآخر الباقي تحت دليل التعبّد إجمالا ، لا بهما. وهذا ما ذهب إليه المصنّف رحمه‌الله في المقام ، وتبعه السيّد الإمام الخمينيّ في الرسائل ٢ : ٤١.

الثاني : أنّه يصحّ نفي الثالث بهما بما هما حجّتان. واستدلّ عليه بوجهين :

أحدهما : ما ذكره المحقّق العراقيّ. وحاصله : أنّ مجرّد العلم الإجماليّ بكذب أحد المتعارضين لا يمنع عن شمول دليل الحجّيّة والتعبّد لكلّ واحد من المتعارضين ، إلّا على القول بسراية العلم إلى الخارج ، وهو ممنوع ، لأنّ متعلّق العلم هو الصورة الإجماليّة ، وهذا لا يسري إلى صورة اخرى ولا إلى الخارج ، فلا مانع حينئذ من الأخذ بمدلولها الالتزاميّ ـ

هذا بناء على حجّيّة الأمارات من باب الطريقيّة ـ كما هو كذلك ـ ، حيث لا يكاد يكون حجّة طريقا إلّا ما احتمل إصابته ، فلا محالة كان العلم بكذب أحدهما مانعا عن حجّيّته (١).

[الأصل الأوّليّ بناء على السببيّة]

وأمّا بناء على حجّيّتها من باب السببيّة فكذلك (٢) لو كان الحجّة هي خصوص ما لم يعلم كذبه ، بأن لا يكون المقتضي للسببيّة فيها (٣) إلّا فيه (٤) ، كما هو (٥) المتيقّن

__________________

ـ بالنسبة إلى نفي الثالث فيما إذا لا يلزم منه مخالفة عمليّة للمعلوم بالإجمال. نهاية الأفكار ٤ (القسم الثاني) : ١٧٦.

ثانيهما : ما ذكره المحقّق النائينيّ. وحاصله : أنّ الدلالة الالتزاميّة فرع الدلالة المطابقيّة في الوجود ، لا في الحجّيّة ، فإنّ اللازم تابع للملزوم بحسب مقام الثبوت والإثبات ، وليس تابعا له في الحجّيّة كي يكون سقوط شيء عن الحجّيّة في الملزوم موجبا لسقوطه عن الحجّيّة في اللازم. وعليه فإذا سقط الدليلان عن الحجّيّة بالنسبة إلى مؤدّاهما المطابقيّ للمعارضة لا يلزم سقوطهما عن الحجّيّة بالنسبة إلى مدلولهما الالتزاميّ ـ أي نفي الثالث ـ ، لعدم المعارضة بينهما في نفيه. فلو كان مفاد أحد المتعارضين وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وكان مفاد الآخر حرمة الدعاء في ذلك الوقت فبالنسبة إلى نفي الكراهة والإباحة والاستحباب عن الدعاء عند رؤيته يتوافقان. فوائد الاصول ٤ : ٧٥٥ ـ ٧٥٦.

الثالث : أنّه يصحّ نفي الثالث بذات الخبرين ، لا بما هما حجّتان. وهذا ما ذهب إليه المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ٣٣٤.

الرابع : أنّه لا يصحّ نفي الثالث مطلقا ، لا بأحدهما غير المعيّن ولا بهما ، بل يصحّ الالتزام بحكم ثالث بعد تساقط الدليلين ، ولو بالأصل ، فيحكم بالإباحة لأصالة عدم الوجوب والحرمة. وهذا ما ذهب إليه السيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد ما ناقض في كلام المصنّف رحمه‌الله والمحقّق النائينيّ ـ ، فراجع مصباح الاصول ٣ : ٣٦٧ ـ ٣٧٠.

(١) وأورد عليه المحقّق العراقيّ بما مرّ في التعليقة السابقة ، فراجع.

(٢) أي : لم يكن واحد منهما بحجّة في خصوص مؤدّاه ، وإنّما يمكن نفي الثالث بأحدهما.

(٣) أي : في الأمارات.

(٤) أي : فيما لم يعلم كذبه.

(٥) أي : كون الحجّة خصوص ما لم يعلم كذبه.

من دليل اعتبار غير السند منها (١) ، وهو بناء العقلاء على أصالتي الظهور والصدور (٢) ، لا للتقيّة ونحوها ؛ وكذا السند (٣) لو كان دليل اعتباره هو بناءهم أيضا ، وظهوره فيه لو كان هو الآيات والأخبار (٤) ، ضرورة ظهورها فيه (٥) لو لم نقل بظهورها في خصوص ما إذا حصل الظنّ منه أو الاطمئنان (٦).

__________________

(١) مراده من غير السند هو الدلالة وجهة الصدور.

(٢) مراده من الصدور هو حجّيّة الصدور. ومعنى أصالة جهة الصدور هو كون المولى في مقام بيان المراد الجدّيّ.

(٣) أي : وهو المتيقّن أيضا من دليل اعتبار السند لو كان ...

(٤) أي : وهو ـ أي كون الحجّة خصوص ما لم يعلم كذبه ـ ظهور دليل اعتبار السند فيه ، لو كان دليل اعتباره هو الآيات والأخبار.

والأولى أن يقول : «وظاهره لو كان ...».

(٥) أي : في كون الحجّة خصوص ما لم يعلم كذبه.

(٦) والحاصل : أنّ المستفاد من أدلّة حجّيّة الأمارة هو كون الحجّة خصوص ما لم يعلم كذبه ، لا الأعمّ منه وممّا علم كذبه. توضيحه : أنّ كلّ أمارة ذو جهات ثلاث : الصدور والدلالة والجهة. وحجّيّتها تتوقّف على تماميّتها من هذه الجهات ، فلا بدّ من الدليل على اعتبارها من تمام الجهات.

أمّا الدليل على اعتبار الدلالة والجهة ، فهو بناء العقلاء على الأخذ بظاهر الكلام وحمله على بيان المراد الجدّيّ. فيكون الدليل عليه دليلا لبّيّا ، ولا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن منه ، وهو ما لم يعلم كذبه.

وأمّا الدليل على اعتبار السند ، فلا يخلو : إمّا أن يكون الدليل عليه بناء العقلاء على العمل بخبر الثقة. وإمّا أن يكون الدليل عليه إطلاق الآيات والأخبار المتواترة. فعلى الأوّل يؤخذ بالقدر المتيقّن منه ، وهو ما لم يعلم كذبه. وعلى الثاني وإن كان مقتضى إطلاقها حجّيّة كلّ خبر حتّى معلوم الكذب ، إلّا أنّ ظهورها في ترتّب المصلحة على العمل بالخبر الّذي لم يعلم مخالفته للواقع يمنع عن إطلاقها. بل لا يبعد ظهورها في حجّيّة الخبر المفيد للظنّ أو الاطمئنان.

وعليه فيكون أحد الخبرين المتعارضين حجّة لا بعينه ، من باب السببيّة ، بمعنى أنّ المصلحة تكون في العمل بأحدهما ، لعدم العلم بكذب أحدهما غير المعيّن ، وحيث كانت الحجّة أحدهما بلا تعيين لم يكن واحد منهما حجّة في خصوص مؤدّاه ، فيتساقطان. وإنّما يمكن نفي الثالث بأحدهما ، كما مرّ.

وأمّا لو كان المقتضي للحجّيّة في كلّ واحد من المتعارضين لكان التعارض بينهما من تزاحم الواجبين فيما إذا كانا مؤدّيين إلى وجوب الضدّين (١) أو لزوم المتناقضين (٢) ، لا فيما إذا كان مؤدّى أحدهما حكما غير إلزاميّ ، فإنّه حينئذ لا يزاحم الآخر ، ضرورة عدم صلاحيّة ما لا اقتضاء فيه أن يزاحم به ما فيه الاقتضاء.

إلّا أن يقال : بأنّ قضيّة اعتبار دليل غير الإلزاميّ أن يكون عن اقتضاء ، فيزاحم به(٣) حينئذ ما يقتضي الإلزاميّ ، ويحكم فعلا بغير الإلزاميّ ، ولا يزاحم بمقتضيه ما يقتضي غير الإلزاميّ ، لكفاية عدم تماميّة علّة الإلزاميّ في الحكم بغيره.

نعم ، يكون باب التعارض من باب التزاحم مطلقا لو كان قضيّة الاعتبار هي لزوم البناء والالتزام بما يؤدّي إليه من الأحكام ، لا مجرّد العمل على وفقه بلا لزوم الالتزام به.

وكونهما من تزاحم الواجبين حينئذ وإن كان واضحا ، ضرورة عدم إمكان الالتزام بحكمين في موضوع واحد من الأحكام ، إلّا أنّه لا دليل نقلا ولا عقلا على الموافقة الالتزاميّة للأحكام الواقعيّة فضلا عن الظاهريّة ، كما مرّ تحقيقه (٤).

وحكم التعارض بناء على السببيّة فيما كان من باب التزاحم هو التخيير لو لم يكن أحدهما معلوم الأهمّيّة أو محتملها في الجملة ، حسبما فصّلناه في مسألة الضدّ (٥) ، وإلّا فالتعيين. وفيما لم يكن من باب التزاحم هو لزوم الأخذ بما دلّ على الحكم الإلزاميّ لو لم يكن في الآخر مقتضيا (٦) لغير الإلزاميّ (٧) ، وإلّا

__________________

(١) كما إذا دلّ أحد الدليلين على وجوب إزالة النجاسة عن المسجد ، والآخر على وجوب الصلاة.

(٢) كما إذا دلّ أحد الدليلين على حرمة ذبيحة الكتابي ، والآخر على حلّيّتها.

(٣) أي : بغير الإلزاميّ.

(٤) راجع الجزء الثاني : ٢٥٧.

(٥) لا يخفى : أنّه لم يقدّم منه في مسألة الضدّ تفصيل ولا إجمال بالنسبة إلى تقديم محتمل الأهمّيّة.

(٦) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «لو لم يكن في الآخر مقتض ...».

(٧) وفي بعض النسخ : «للغير الإلزاميّ».