درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۲۵: تعارض الدلیلین ۸

 

فلا بأس بأخذه والعمل عليه ، لما أشرنا إليه من وجهه آنفا ، فافهم.

هذا هو قضيّة القاعدة في تعارض الأمارات ، لا الجمع بينها بالتصرّف في أحد المتعارضين أو في كليهما ، كما هو (١) قضيّة ما يتراءى ممّا قيل (٢) من «أنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح» ، إذ لا دليل عليه فيما لا يساعد عليه العرف ممّا كان المجموع (٣) أو أحدهما قرينة عرفيّة على التصرّف في أحدهما بعينه أو فيهما ، كما عرفته في الصور السابقة ؛ مع أنّ في الجمع كذلك أيضا طرحا للأمارة أو الأمارتين ، ضرورة سقوط أصالة الظهور في أحدهما أو كليهما معه.

وقد عرفت (٤) أنّ التعارض بين الظهورين فيما كان سنداهما قطعيّين ، وفي السندين إذا كانا ظنّيين. وقد عرفت (٥) أنّ قضيّة التعارض إنّما هي سقوط المتعارضين في خصوص كلّ ما يؤدّيان إليه من الحكمين ، لا بقاؤهما على الحجّيّة بما يتصرّف فيهما أو في أحدهما ، أو بقاء سنديهما عليها كذلك بلا دليل يساعد عليه من عقل أو نقل.

فلا يبعد أن يكون المراد ، من إمكان الجمع هو إمكانه عرفا. ولا ينافيه الحكم بأنّه أولى مع لزومه حينئذ وتعيّنه ، فإنّ أولويّته ، من قبيل الأولويّة في اولي الأرحام ، وعليه لا إشكال فيه ولا كلام.

__________________

(١) أي : الجمع بينهما.

(٢) والقائل هو ابن أبي جمهور الأحسائيّ في عوالي اللآلي ٤ : ١٣٦ ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ٣٩.

(٣) لا يخفى : أنّ مقتضى سياق عبارة المصنّف رحمه‌الله أنّ قوله : «ممّا كان المجموع» بيان ل «ما» الموصولة في قوله : «فيما لا يساعد». مع أنّه ليس كذلك ، لأنّ كون المجموع أو أحدهما قرينة عرفيّة على التصرّف ممّا يساعد عليه العرف ، لا ممّا لا يساعد عليه العرف. فالصواب أن يقول : «إذ لا دليل عليه إلّا فيما يساعد عليه العرف ممّا كان المجموع ...».

(٤) لم يذكر المصنّف رحمه‌الله في الفصل السابق حكم تعارض الدليلين فيما كان سنداهما قطعيّين.

(٥) في أوّل هذا الفصل ، حيث قال : «لم يكن واحد منهما بحجّة في خصوص مؤدّاه».

فصل

[الأصل الثانويّ في المتعارضين]

[الأصل عدم سقوط كليهما ولزوم الأخذ بأحدهما]

لا يخفى : أنّ ما ذكر من قضيّة التعارض بين الأمارات إنّما هو بملاحظة القاعدة في تعارضها ، وإلّا فربّما يدّعى الإجماع (١) على عدم سقوط كلا المتعارضين في الأخبار ، كما اتّفقت عليه (٢) كلمة غير واحد من الأخبار (٣).

[لزوم الأخذ بالراجح في الدوران بين التعيين والتخيير]

ولا يخفى : أنّ اللازم فيما إذا لم تنهض حجّة على التعيين أو التخيير بينهما هو الاقتصار على الراجح منهما ، للقطع بحجّيّته تخييرا أو تعيينا ، بخلاف الآخر ، لعدم القطع بحجّيّته ، والأصل عدم حجّيّة ما لم يقطع بحجّيّته ، بل ربما ادّعي الإجماع أيضا على حجّيّة خصوص الراجح (٤).

__________________

(١) قال صاحب المعالم : «لا نعرف في ذلك من الأصحاب مخالفا ، وعليه أكثر أهل الخلاف».

معالم الدين : ٢٥٠.

(٢) أي : على عدم سقوط كلا المتعارضين.

(٣) هكذا في بعض النسخ ، ولعلّ مراده الأخبار العلاجيّة الّتي دلّت على حجّيّة أحد الخبرين المتعارضين. وفي بعض النسخ : «الأخيار» ، وفي بعض آخر «الأحبار».

(٤) كما قال العلّامة الحلّيّ : «ولأنّ الإجماع من الصحابة وقع على ترجيح بعض الأخبار على البعض». مبادئ الوصول : ٢٣٢.

[الأخبار العلاجيّة والاستدلال بها على وجوب الترجيح]

واستدلّ عليه (١) بوجوه أخر (٢) ، أحسنها الأخبار.

وهي (٣) على طوائف :

[١ ـ أخبار التخيير]

منها : ما دلّ على التخيير على الإطلاق.

كخبر الحسن بن الجهم عن الرضا عليه‌السلام ، قلت : يجيئنا الرجلان ـ وكلاهما ثقة ـ بحديثين مختلفين ، ولا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال : «فإذا لم نعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت»(٤).

__________________

ـ هذا كلّه قطع النظر عن نهوض دليل التعيين أو التخيير. وأمّا مع ملاحظة الدليل فسيأتي في السطر الآتي.

(١) أي : على وجوب التعيين والأخذ بالراجح.

واستدلّ عليه الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٤ : ٤٨.

(٢) قال الشيخ الأعظم ـ بعد ما نسب القول بوجوب الترجيح إلى المشهور ـ : «ويدلّ على المشهور ـ مضافا إلى الإجماع المحقّق والسيرة القطعيّة والمحكية عن الخلف والسلف وتواتر الأخبار بذلك ـ أنّ حكم المتعارضين من الأدلّة ...». فرائد الاصول ٤ : ٤٨.

وقال في موضع آخر : «وقد يستدلّ على وجوب الترجيح بأنّه لو لا ذلك لاختلّ نظام الاجتهاد ، بل نظام الفقه». فرائد الاصول ٤ : ٥٣ ـ ٥٤.

ومن هنا يظهر أنّ مراد المصنّف من الوجوه الأخر هو السيرة والأخبار واختلال نظم الاجتهاد وغيرها.

(٣) أي : أخبار باب التعارض مطلقا. ففي الضمير استخدام ، إذ المراد من مرجعه ـ أي الأخبار ـ هي أخبار الترجيح ، والمراد من الضمير مطلق الأخبار الواردة في باب التعارض والعلاج.

(٤) هذا ذيل الحديث. وإليك صدره : «قال : قلت له : تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة ، فقال عليه‌السلام : ما جاءك عنّا فقس على كتاب الله (عزوجل) وأحاديثنا ، فإن كان يشبههما فهو منّا ، وإن لم يكن يشبههما فليس منّا ...». وسائل الشيعة ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٠.