درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۲۷: تعارض الدلیلین ۱۰

 

فمنهم من أوجب الترجيح بها مقيّدين بأخباره إطلاقات التخيير. وهم بين من اقتصر على الترجيح بها (١) ومن تعدّى منها إلى سائر المزايا الموجبة لأقوائيّة ذي المزيّة وأقربيّته ـ كما صار إليه شيخنا العلّامة «أعلى الله مقامه» (٢) ، أو المفيدة للظنّ كما ربّما يظهر من غيره(٣).

[القول المختار ، والجواب عن أخبار الترجيح]

فالتحقيق أن يقال : إنّ أجمع خبر للمزايا المنصوصة في الأخبار هو المقبولة والمرفوعة مع اختلافهما وضعف سند المرفوعة جدّا.

والاحتجاج بهما (٤) على وجوب الترجيح في مقام الفتوى لا يخلو عن إشكال ، لقوّة احتمال اختصاص الترجيح بها بمورد الحكومة لرفع المنازعة وفصل الخصومة ، كما هو موردهما(٥) ، ولا وجه معه للتعدّي منه إلى غيره ، كما لا يخفى.

ولا وجه لدعوى تنقيح المناط مع ملاحظة أنّ رفع الخصومة بالحكومة في صورة تعارض الحكمين وتعارض ما استندا إليه من الروايتين لا يكاد يكون إلّا

__________________

(١) وهذا منسوب إلى الأخباريّين. قال المحدّث البحرانيّ : «قد ذكر علماء الاصول من وجوه الترجيحات في هذا المقام بما لا يرجع إلى محصول ، والمعتمد عندنا ما ورد عن أهل بيت الرسول». الحدائق الناضرة ١ : ٩٠.

وهو الظاهر أيضا من الوافية في الاصول : ٣٢٤. وصرّح بذلك المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ (القسم الثاني) : ١٩٤.

(٢) فرائد الاصول ٤ : ٧٣.

(٣) كما يظهر من السيّد الطباطبائي في مفاتيح الاصول : ٦٨٨.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى لزوم الاقتصار على المرجّحات المنصوصة إلّا في صفات الراويّ ، فيصحّ الترجيح بالصفات الّتي لها دخل في أقربيّة صدور أحد المتعارضين. راجع فوائد الاصول ٤ : ٧٧٤ ـ ٧٧٨ و ٧٨٥.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «والاحتجاج بها» ليرجع الضمير إلى المقبولة ، فإنّ الجواب مختصّ بالمقبولة ، فيرجع الضمير إليها ، لا إلى المقبولة والمرفوعة.

(٥) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «موردها» لما مرّ في التعليقة السابقة.

بالترجيح (١) ، ولذا أمر عليه‌السلام بإرجاء الواقعة إلى لقائه عليه‌السلام في صورة تساويهما فيما ذكر من المزايا (٢) ؛ بخلاف مقام الفتوى (٣).

ومجرّد مناسبة الترجيح لمقامها أيضا لا يوجب ظهور الرواية في وجوبه (٤) مطلقا ولو في غير مورد الحكومة ، كما لا يخفى (٥).

وإن أبيت إلا عن ظهورهما في الترجيح في كلا المقامين ، فلا مجال لتقييد إطلاقات التخيير في مثل زماننا ممّا لا يتمكّن من لقاء الإمام عليه‌السلام بهما ، لقصور المرفوعة سندا وقصور المقبولة دلالة ، لاختصاصها (٦) بزمان التمكّن من لقائه عليه‌السلام ، ولذا ما أرجع إلى التخيير بعد فقد الترجيح (٧).

__________________

(١) بداهة أنّه لا تنقطع الخصومة بالتخيير ، لإمكان أن يختار كلّ من المتخاصمين غير ما يختاره الآخر.

(٢) هكذا في أكثر النسخ. والمحتمل في النسخة الأصليّة : «في الروايات» وهو أيضا صحيح.

(٣) فإنّ الفتوى لا تتوقّف على الترجيح ، بل للمفتي أن يفتي بأحد الخبرين تخييرا.

والحاصل : أنّه لا وجه للتعدّي عن مقام الحكومة إلى مقام الفتوى والقول بأنّ المناط في المقامين واحد ، فكما كان رفع الخصومة بالحكومة متوقّفا على الترجيح كان الفتوى بالترجيح ، فإنّ الفرق بين المقامين يمنع عن حصول العلم بالمناط.

(٤) أي : وجوب الترجيح.

(٥) غرضه من هذه العبارة هو الإشارة إلى وهم ودفع :

أمّا الوهم فهو : أنّ الفتوى على طبق أحد الخبرين تتوقّف على حجّيّة أحد الخبرين المتعارضين ، وهي تتوقّف على الترجيح بتلك المزايا ، فالترجيح يناسب مقام الفتوى أيضا ، وهذه المناسبة توجب اشتراك الحكومة والفتوى في وجوب الترجيح.

وأمّا الدفع فهو : أنّ الملاك في استفادة الأحكام من الخطاب هو الظهور العرفيّ. وفي المقام لا توجب المناسبة المذكورة ظهور المقبولة في وجوب الترجيح في كلا المقامين.

(٦) تعليل لقصور المقبولة دلالة.

(٧) وأورد عليه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ الأخبار الدالّة على الترجيح ليست منحصرة في المقبولة والمرفوعة ، بل هناك روايات أخر صالحة للتقييد. مضافا إلى أن المقبولة وإن كان سندها مخدوشا ، لعدم إثبات وثاقة عمر بن حنظلة ، إلّا أنّ الأصحاب تلقّوها بالقبول وعملوا / بها قديما وحديثا ، ويعلم استنادهم إليها من الإفتاء بمضمون ما ورد فيها من قوله عليه‌السلام : ـ

مع أنّ تقييد الإطلاقات الواردة في مقام الجواب عن سؤال حكم المتعارضين بلا استفصال عن كونهما متعادلين أو متفاضلين ـ مع ندرة كونهما متساويين جدّا ـ بعيد قطعا (١) ، بحيث لو لم يكن ظهور المقبولة في ذاك الاختصاص (٢) لوجب حملها عليه أو على ما لا ينافيها من الحمل على الاستحباب ـ كما فعله بعض الأصحاب (٣) ـ. ويشهد به الاختلاف الكثير بين ما دلّ على الترجيح من الأخبار (٤).

ومنه قد انقدح حال سائر أخباره (٥).

__________________

ـ «ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا ، وإن كان حقّه ثابتا». مع أنّ دلالتها ممّا لا ينبغي الإشكال في تماميّتها ، فإنّ صدرها وإن كان ناظرا إلى ترجيح أحد الحكمين على الآخر إلّا أنّ ظاهر ذيلها هو ترجيح أحد الروايتين على الاخرى ، إذ الترجيح بكون الرواية مجمعا عليها بين الأصحاب وبموافقة الكتاب والسنّة وبمخالفة العامّة قد اعتبر فيها بعد فرض سقوط حكم الحكمين بالمعارضة ، فبعد سقوط الحكم يرجع إلى الروايتين ويؤخذ بالراجح منهما. مصباح الاصول ٣ : ٤٠٩ ـ ٤١٠.

(١) إذ يلزم منه حمل إطلاقات التخيير على الفرد النادر ، وحمل المطلق على الفرد النادر ركيك.

(٢) أي : الاختصاص بزمان التمكّن من لقاء الإمام عليه‌السلام.

(٣) الظاهر أنّه السيّد الصدر في شرح الوافية ، لكنّه ـ على ما في الفرائد ـ حمل جميع أخبار الترجيح على الاستحباب ، لا خصوص المقبولة. راجع شرح الوافية (مخطوط) : ٥٠٠ ، وفرائد الاصول ٤ : ٥٥.

(٤) وأورد عليه السيّد الخوئيّ بأنّ حمل إطلاقات أخبار التخيير على الفرد النادر إنّما يلزم فيما إذا قلنا بجواز التعدّي عن المرجّحات المنصوصة إلى غيرها ، فإنّ تساوي الخبرين المتعارضين من جميع الجهات حينئذ نادر جدّا. وأمّا على القول بالاقتصار على المرجّحات المنصوصة والقول بانحصارها في موافقة الكتاب والسنّة ومخالفة العامّة ـ كما هو الحقّ ـ فلا يلزم المحذور المذكور ، فإنّ موارد تساوي الخبرين المتعارضين من حيث موافقة الكتاب وعدمها أو من حيث مخالفة العامّة كثيرة جدّا. مصباح الاصول ٣ : ٤١٠ ـ ٤١١.

وأورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ أيضا بأنّ حمل إطلاقات أخبار التخيير على الفرد النادر إنّما يتمّ بعد اعتبار المرفوعة وكون المقبولة من أخبار العلاج وعدم انحصار المرجّح بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة. والتحقيق عدم اعتبارها ، وعدم كونها من أخبار العلاج ، وانحصار المرجّح بهما ، بل أنّ ما دلّ على التخيير هو رواية ابن الجهم. الرسائل ٢ : ٧٢.

(٥) أي : أخبار الترجيح ، فإنّها غير متّفقة على الترجيح بمزيّة معيّنة ، فيدلّ بعضها ـ كخبر العيون ـ

مع أنّ في كون أخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم من أخبار الباب نظرا.

وجهه قوّة احتمال أن يكون الخبر المخالف للكتاب في نفسه غير حجّة ، بشهادة ما ورد في أنّه زخرف وباطل وليس بشيء (١) ، أو أنّه لم نقله (٢) ، أو امر بطرحه على الجدار (٣). وكذا الخبر الموافق للقوم ، ضرورة أنّ أصالة عدم صدوره تقيّة ـ بملاحظة الخبر المخالف لهم مع الوثوق بصدوره لو لا القطع به ـ غير جارية ، للوثوق حينئذ بصدوره كذلك (٤). وكذا الصدور أو الظهور في الخبر المخالف للكتاب يكون موهونا بحيث لا يعمّه أدلّة اعتبار السند ، ولا الظهور ، كما لا يخفى. فتكون هذه الأخبار في مقام تمييز (٥) الحجّة عن اللاحجّة ، لا ترجيح الحجّة على الحجّة ، فافهم (٦).

__________________

ـ على الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة فقط ، وبعضها ـ كخبر عبد الرحمن ـ على الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة ، وبعضها ـ كخبر الحسن بن الجهم ـ على الترجيح بمخالفة العامّة فقط.

(١) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٧٨ ـ ٧٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٢ و ١٤ ؛ والمحاسن (للبرقي) ١ : ٢٢١ ، الحديث ١٢٨ و ١٢٩.

(٢) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٧٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٥ ، والمحاسن (للبرقي) ١ : ٢٢١ ، الحديث ١٣١.

(٣) لم أعثر على رواية تدلّ على الأمر بطرحه على الجدار. نعم ، ظاهر كلمات بعض الأجلّة وجود الخبر بهذا المضمون. راجع تفسير التبيان ١ : ٥ ، مجمع البيان ١ : ٨١.

(٤) أي : بصدور الخبر الموافق تقيّة ، فإنّ الوثوق بصدور الخبر المخالف للقوم يوجب الوثوق بأنّ الخبر الموافق لهم إمّا غير صادر أو صدر تقيّة.

(٥) وفي بعض النسخ : «تميّز» ، والصحيح ما أثبتناه.

(٦) لعلّه إشارة إلى ما أفاد السيّد المحقّق الخوئيّ في إثبات كون هذه الأخبار في مقام ترجيح الحجّة على الحجّة. وحاصل ما أفاده : أنّ الأخبار الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب والسنّة طائفتان :

إحداهما : الأخبار الدالّة على أنّ مخالف الكتاب زخرف أو باطل. ولا شكّ أنّ هذه الأخبار تدلّ على عدم حجّيّة ما كان مخالفا للكتاب أو السنّة.

ثانيتهما : الأخبار الواردة في مقام ترجيح أحد الخبرين المتعارضين على الآخر ، ـ