درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۲۸: تعارض الدلیلین ۱۱

 

مع أنّ في كون أخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم من أخبار الباب نظرا.

وجهه قوّة احتمال أن يكون الخبر المخالف للكتاب في نفسه غير حجّة ، بشهادة ما ورد في أنّه زخرف وباطل وليس بشيء (١) ، أو أنّه لم نقله (٢) ، أو امر بطرحه على الجدار (٣). وكذا الخبر الموافق للقوم ، ضرورة أنّ أصالة عدم صدوره تقيّة ـ بملاحظة الخبر المخالف لهم مع الوثوق بصدوره لو لا القطع به ـ غير جارية ، للوثوق حينئذ بصدوره كذلك (٤). وكذا الصدور أو الظهور في الخبر المخالف للكتاب يكون موهونا بحيث لا يعمّه أدلّة اعتبار السند ، ولا الظهور ، كما لا يخفى. فتكون هذه الأخبار في مقام تمييز (٥) الحجّة عن اللاحجّة ، لا ترجيح الحجّة على الحجّة ، فافهم (٦).

__________________

ـ على الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة فقط ، وبعضها ـ كخبر عبد الرحمن ـ على الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامّة ، وبعضها ـ كخبر الحسن بن الجهم ـ على الترجيح بمخالفة العامّة فقط.

(١) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٧٨ ـ ٧٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٢ و ١٤ ؛ والمحاسن (للبرقي) ١ : ٢٢١ ، الحديث ١٢٨ و ١٢٩.

(٢) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٧٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٥ ، والمحاسن (للبرقي) ١ : ٢٢١ ، الحديث ١٣١.

(٣) لم أعثر على رواية تدلّ على الأمر بطرحه على الجدار. نعم ، ظاهر كلمات بعض الأجلّة وجود الخبر بهذا المضمون. راجع تفسير التبيان ١ : ٥ ، مجمع البيان ١ : ٨١.

(٤) أي : بصدور الخبر الموافق تقيّة ، فإنّ الوثوق بصدور الخبر المخالف للقوم يوجب الوثوق بأنّ الخبر الموافق لهم إمّا غير صادر أو صدر تقيّة.

(٥) وفي بعض النسخ : «تميّز» ، والصحيح ما أثبتناه.

(٦) لعلّه إشارة إلى ما أفاد السيّد المحقّق الخوئيّ في إثبات كون هذه الأخبار في مقام ترجيح الحجّة على الحجّة. وحاصل ما أفاده : أنّ الأخبار الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب والسنّة طائفتان :

إحداهما : الأخبار الدالّة على أنّ مخالف الكتاب زخرف أو باطل. ولا شكّ أنّ هذه الأخبار تدلّ على عدم حجّيّة ما كان مخالفا للكتاب أو السنّة.

ثانيتهما : الأخبار الواردة في مقام ترجيح أحد الخبرين المتعارضين على الآخر ، ـ

وإن أبيت عن ذلك (١) فلا محيص عن حملها (٢) ـ توفيقا بينها وبين الإطلاقات (٣) ـ إمّا على ذلك (٤) أو على الاستحباب ، كما أشرنا إليه آنفا ، هذا.

ثمّ إنّه لو لا التوفيق بذلك (٥) للزم التقييد أيضا في أخبار المرجّحات ، وهي آبية عنه ، كيف يمكن تقييد مثل «ما خالف قول ربّنا لم أقله أو زخرف أو باطل»؟! ، كما لا يخفى.

__________________

ـ والأخذ بما وافق منهما الكتاب وطرح ما خالفه ، كمقبولة عمر بن حنظلة ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله.

والمراد من المخالفة في الطائفة الاولى غير المراد منها في الطائفة الثانية ، فإنّ المراد منها في الطائفة الاولى هي المخالفة بنحو لا يمكن الجمع العرفيّ بينها وبين الكتاب والسنّة ، كما إذا كان خبر مخالفا لهما على نحو التباين أو العموم من وجه ، فمثل هذا المخالف لم يمكن صدوره عن المعصوم. وأمّا الأخبار المخالفة لهما على نحو العموم المطلق فليست مشمولة لهذه الأخبار ، لإمكان الجمع العرفيّ بينها وبينهما ، وللعلم بصدور المخصّص لعمومات الكتاب والسنّة والمقيّد لاطلاقاتهما عنهم عليهم‌السلام ، بل هذه الأخبار مشمولة للطائفة الثانية ، فإنّ المراد من المخالفة فيها هي المخالفة بنحو التخصيص والتقييد ، ويكون مفادها أنّه إذا ورد خبران متعارضان وكان أحدهما موافقا لعمومات الكتاب أو إطلاقاته وكان الآخر مخالفا لها ، يجب ترجيح الخبر الموافق على الخبر المخالف.

وعليه فالطائفة الاولى وإن كانت في مقام تمييز الحجّة عن اللاحجّة ، إلّا أنّ الطائفة الثانية ليست في هذا المقام ، بل تكون في مقام ترجيح الحجّة على الحجّة الاخرى. راجع المحاضرات ٣ : ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، مصباح الاصول ٣ : ٤٠٧ ـ ٤٠٨ ، دراسات في علم الاصول ٤ : ٣٩١ ـ ٣٩٢.

ولا يخفى : أنّ المصنّف رحمه‌الله أشار إلى التفصيل المذكور في الفصل الآخر من فصول هذا المقصد ، ولكن أصرّ على حمل الروايات على تمييز الحجّة عن اللاحجّة ، لاحظ الصفحة : ٣٤٨ من هذا الجزء.

(١) أي : عن تسليم كون أخبار الترجيح في مقام تمييز الحجّة عن اللاحجّة.

(٢) أي : حمل أخبار الترجيح.

(٣) أي : إطلاقات أخبار التخيير.

(٤) أي : على تمييز الحجّة عن اللاحجّة.

(٥) أي : بحمل أخبار الترجيح على تمييز الحجّة عن اللاحجّة أو على الاستحباب.

فتلخّص ممّا ذكرنا : أنّ إطلاقات التخيير محكّمة ، وليس في الأخبار ما يصلح لتقييدها.

[الاستدلال على وجوب الترجيح ، وما فيه]

نعم قد استدلّ على تقييدها ووجوب الترجيح في المتفاضلين بوجوه أخر :

منها : دعوى الإجماع على الأخذ بأقوى الدليلين (١).

وفيه : أنّ دعوى الإجماع ـ مع مصير مثل الكلينيّ إلى التخيير ، وهو في عهد الغيبة الصغرى ، ويخالط النوّاب والسفراء ، قال في ديباجة الكافي : «ولا نجد شيئا أوسع ولا أحوط من التخيير» (٢) ـ مجازفة.

ومنها : أنّه لو لم يجب ترجيح ذي المزيّة لزم ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو قبيح عقلا ، بل ممتنع قطعا (٣).

__________________

(١) فرائد الاصول ٤ : ٤٨.

(٢) الكافي ١ : ٩.

ولا يخفى : أنّ في ما نسبه المصنّف رحمه‌الله إلى الكلينيّ من مصيره إلى التخيير مطلقا نظر ، بل يظهر من بعض كلماته القول بالترجيح ببعض المرجّحات ، فإنّه قال : «فاعلم يا أخي! أرشدك الله أنّه لا يسع أحدا تمييز شيء ممّا اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم‌السلام» برأيه ، إلّا ما أطلقه العالم بقوله عليه‌السلام : «فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله عزوجل فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه» ، وقوله عليه‌السلام : «دعوا ما وافق القوم ، فإنّ الرشد في خلافهم» ، وقوله عليه‌السلام : «خذوا بالمجمع عليه ، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلّا أقلّه ، ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم عليه‌السلام وقبول ما وسع الأمر فيه بقوله عليه‌السلام : «بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم» ...» الكافي ١ : ٨ ـ ٩.

وأنت خبير بأنّه سلّم الترجيح بالإجماع وموافقة الكتاب ومخالفة العامّة. ولكن اعترف بقلّة الموارد الّتي نعرف فيها وجود تلك المرجّحات.

(٣) هذا الدليل نسبه السيّد الطباطبائيّ إلى النهاية والتهذيب والمبادئ والمنية وغاية البادئ.

راجع مفاتيح الاصول : ٦٨٧.