درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۴۰: تعارض الدلیلین ۲۲

 

وفيه : أنّ عدم البيان الّذي هو جزء المقتضي في مقدّمات الحكمة إنّما هو عدم البيان في مقام التخاطب ، لا إلى الأبد (١) ؛ وأغلبيّة التقييد مع كثرة التخصيص ـ بمثابة قد قيل : «ما من عامّ إلّا وقد خصّ» ـ غير مفيد ؛ فلا بدّ في كلّ قضيّة من ملاحظة خصوصيّاتها الموجبة لأظهريّة أحدهما من الآخر ، فتدبّر (٢).

__________________

ـ إذا عرفت هذا ، فاعلم : أنّ الشيخ الأعظم وجّه تقديم العموم على الإطلاق بوجهين ، واعتمد على الأوّل بناء على مقالة سلطان العلماء ، وعلى الثاني بناء على مقالة المشهور.

أمّا الوجه الأوّل : فأشار إليه المصنّف رحمه‌الله بقوله : «من كون ظهور العامّ في العموم تنجيزيّا ...». وحاصله : أنّ ظهور العامّ في العموم قدّم على ظهور المطلق في الإطلاق ، لكون ظهور العامّ في العموم تنجيزيّ ، لأنّه مستند إلى الوضع الّذي لم يعلّق على شيء ، بل يكون نفس لفظ العامّ تمام المقتضي في ظهوره في العموم. بخلاف ظهور المطلق في الإطلاق ، فإنّه معلّق على عدم البيان ، فيكون عدم البيان جزء المقتضي ، لظهوره في الإطلاق ، والعامّ صالح للبيانيّة ، فلا يتمّ مقتضيه ، فلا يؤخذ بالإطلاق ويقدّم العامّ ، لعدم تماميّة مقتضي الإطلاق مع وجود العامّ وتماميّة مقتضي العامّ مع وجود المطلق.

وممّا ذكر يظهر أنّ الوجه في تقديم العامّ على الإطلاق وتقييده به هو تمام المقتضي في العامّ مع وجود المطلق ؛ بخلاف العكس. وأمّا تقديم الإطلاق على العموم وتخصيصه به فإمّا يكون اقتراحا محضا وبلا وجه. وإمّا يكون على نحو دائر ، إذ تقديم المطلق على العامّ والعمل به موقوف على طرح العامّ ، لعدم تماميّة مقتضي الإطلاق مع وجود العامّ ، وطرح العامّ موقوف على العمل بالمطلق ، وهذا دور.

وأمّا الوجه الثاني : فأشار إليه المصنّف رحمه‌الله بقوله : «ومن أنّ التقييد أغلب من التخصيص». وحاصله : أنّ التقييد في المحاورات العرفيّة أكثر من التخصيص ، وهذا يوجب أظهريّة العامّ في العموم من ظهور المطلق في الإطلاق.

(١) بتعبير آخر : إنّ البيان ـ وهو العامّ ـ إنّما يمنع عن انعقاد الظهور للمطلق إذا ورد في مقام التخاطب ومتّصلا بالمطلق ، لا فيما إذا ورد منفصلا عنه. والمفروض هنا أنّ العامّ ورد منفصلا عن المطلق ، وهو لا يمنع عن انعقاد الظهور للمطلق. وحينئذ يكون ظهور المطلق في الإطلاق تامّا. فيقع التعارض بين الظهورين ، فلا بدّ في ترجيح أحدهما على الآخر من ملاحظة خصوصيّات كلّ منهما بحسب المورد.

(٢) وأورد عليه السيّد الخوئيّ ، بما حاصله : أنّه إذا كان العامّ صالحا للقرينيّة على التقييد ـ كما اعترف به المصنّف رحمه‌الله في مبحث الواجب المشروط ـ فلا فرق بين كونه متّصلا بالكلام أو ـ

[٢ ـ ترجيح التخصيص على النسخ]

ومنها : ما قيل (١) فيما إذا دار بين التخصيص والنسخ ـ كما إذا ورد عامّ بعد حضور وقت العمل بالخاصّ ، حيث يدور بين أن يكون الخاصّ مخصّصا ، أو يكون العامّ ناسخا ؛ أو ورد الخاصّ بعد حضور وقت العمل بالعامّ ، حيث يدور بين أن يكون الخاصّ مخصّصا للعامّ أو ناسخا له ورافعا لاستمراره ودوامه ـ في وجه تقديم التخصيص على النسخ من «غلبة التخصيص وندرة النسخ».

ولا يخفى : أنّ دلالة الخاصّ أو العامّ على الاستمرار والدوام إنّما هو بالإطلاق ، لا بالوضع ؛ فعلى الوجه العقليّ في تقديم التقييد على التخصيص ، كان اللازم في هذا الدوران تقديم النسخ على التخصيص أيضا. وأنّ غلبة التخصيص إنّما توجب أقوائيّة ظهور الكلام في الاستمرار والدوام من ظهور العامّ في العموم إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بمثابة تعدّ من القرائن المكتنفة بالكلام ، وإلّا فهي وإن كانت مفيدة للظنّ بالتخصيص ، إلّا أنّها غير موجبة لها (٢) ، كما لا يخفى (٣).

__________________

ـ منفصلا عنه. غاية الأمر أنّ العامّ المتّصل يمنع عن انعقاد الظهور في المطلق من أوّل الأمر ، فلا يكون المطلق مع ورود العامّ المتّصل حجّة أصلا ، والعامّ المتّصل يكشف عن عدم تعلّق الإرادة الجدّيّة بالإطلاق من لفظ المطلق ، فيحكم بأنّ الظهور لم يكن مرادا من أوّل الأمر ، لكنّه كان حجّة إلى حين وصول العامّ ، وهذا المقدار من الفرق لا يوجب الحكم بلزوم تقديم العامّ على المطلق. مصباح الاصول ٣ : ٣٧٧.

(١) والقائل هو صاحب الفصول والشيخ الأعظم الأنصاريّ. راجع الفصول الغرويّة : ٢١٣ ـ ٢١٦ ، فرائد الاصول ٤ : ٩٣ ـ ٩٤.

(٢) أي : أنّ الغلبة غير موجبة لأقوائيّة ظهور الكلام.

(٣) ولا يخفى : أنّ كلامه هذا ينافي بظاهره ما أفاد في مبحث العامّ والخاصّ ، فإنّه قدّم التخصيص على النسخ هناك ، حيث قال : «إلّا أنّ الأظهر كونه مخصّصا ، ولو فيما كان ظهور العامّ في عموم الأفراد أقوى من ظهور الخاصّ في الخصوص ، لما اشير إليه من تعارف التخصيص وشيوعه وندرة النسخ جدّا في الأحكام». راجع الجزء الثاني : ١٩٣.

وقد مرّ هناك ما أفاد الأعلام الثلاثة في وجه تقديم التخصيص على النسخ ، فراجع.