درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۶: تعارض الدلیلین ۶

 

العمل بهذا الحديث ـ وأشار بهذا إلى مقبولة عمر بن حنظلة (١) ـ (٢) انتهى.

ما استدلّ به على هذه القاعدة

واستدلّ عليه :

تارة : بأنّ الأصل في الدليلين الإعمال ، فيجب الجمع بينهما بما أمكن ؛ لاستحالة الترجيح من غير مرجّح (٣).

واخرى : بأنّ دلالة اللفظ على تمام معناه أصليّة وعلى جزئه تبعيّة ، وعلى تقدير الجمع يلزم إهمال دلالة تبعيّة ، وهو أولى ممّا يلزم على تقدير عدمه ، وهو إهمال دلالة أصليّة (٤).

عدم إمكان العمل بهذه القاعدة

ولا يخفى : أنّ العمل بهذه القضيّة على ظاهرها يوجب سدّ باب الترجيح ، والهرج في الفقه ، كما لا يخفى. ولا دليل عليه ، بل الدليل على خلافه ، من الإجماع والنصّ (٥).

عدم الدليل على هذه القاعدة

أمّا عدم الدليل عليه ؛ فلأنّ ما ذكر ـ من أنّ الأصل في الدليلين الإعمال ـ مسلّم ، لكنّ المفروض عدم إمكانه في المقام ؛ فإنّ العمل بقوله عليه‌السلام : «ثمن العذرة سحت» (٦) ، وقوله عليه‌السلام : «لا بأس ببيع العذرة» (٧) ـ على ظاهرهما ـ غير ممكن ، وإلاّ لم يكونا متعارضين. وإخراجهما عن ظاهرهما ـ بحمل الأوّل على عذرة غير مأكول اللحم ،

__________________

(١) عوالي اللآلي ٤ : ١٣٦.

(٢) الآتية في الصفحة ٥٧.

(٣) هذا الاستدلال من الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ٢٨٣.

(٤) ذكر الاستدلال به في نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٣ ، ومنية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٦٩ ، والفصول : ٤٤٠ ، والقوانين ٢ : ٢٧٩ ، ومناهج الأحكام : ٣١٢.

(٥) انظر الصفحة ٢٤ ، الهامش ٣.

(٦) الوسائل ١٢ : ١٢٦ ، الباب ٤٠ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.

(٧) الوسائل ١٢ : ١٢٦ ، الباب ٤٠ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٣.

والثاني على عذرة مأكول اللحم (١) ـ ليس عملا بهما (٢) ؛ إذ كما يجب مراعاة السند في الرواية والتعبّد بصدورها إذا اجتمعت شرائط الحجّيّة ، كذلك يجب التعبّد بإرادة المتكلّم ظاهر الكلام المفروض وجوب التعبّد بصدوره إذا لم يكن هناك قرينة صارفة ، ولا ريب أنّ التعبّد بصدور أحدهما ـ المعيّن إذا كان هناك مرجّح ، والمخيّر إذا لم يكن ـ ثابت على تقدير الجمع وعدمه ، فالتعبّد بظاهره واجب ، كما أنّ التعبّد بصدور الآخر أيضا واجب.

فيدور الأمر بين عدم التعبّد بصدور ما عدا الواحد المتّفق على التعبّد به ، وبين عدم التعبّد بظاهر الواحد المتّفق على التعبّد به ، ولا أولويّة للثاني.

بل قد يتخيّل العكس ؛ من حيث إنّ في الجمع ترك التعبّد بظاهرين ، وفي طرح أحدهما ترك التعبّد بسند واحد.

لكنّه فاسد ؛ من حيث إنّ ترك التعبّد بظاهر ما لم يثبت التعبّد بصدوره (٣) ولم يحرز كونه صادرا عن المتكلّم ـ وهو ما عدا الواحد المتيقّن العمل به ـ ليس مخالفا للأصل ، بل التعبّد غير معقول ؛ إذ لا ظاهر حتّى يتعبّد به (٤).

__________________

(١) كما فعله الشيخ قدس‌سره في الاستبصار ٣ : ٥٦ ، ذيل الحديث ١٨٢.

(٢) في (ظ) بدل «عملا بهما» : «علاجهما».

(٣) في (ت) : «صدوره».

(٤) في (ص) ، و (ر) زيادة : «وليس مخالفا للأصل وتركا للتعبّد بما يجب التعبّد به». وفي (ظ) بدل «ما لم يثبت ـ إلى حتّى يتعبّد به» : «ما لا تعبّد بسنده ليس مخالفا للأصل وتركا للتعبّد بما يجب التعبّد به».

وممّا ذكرنا يظهر فساد توهّم : أنّه إذا عملنا بدليل حجّيّة الأمارة فيهما وقلنا بأنّ الخبرين معتبران سندا ، فيصيران كمقطوعي الصدور ، ولا إشكال ولا خلاف في أنّه إذا وقع التعارض بين ظاهري مقطوعي الصدور ـ كآيتين أو متواترين ـ وجب تأويلهما والعمل بخلاف ظاهرهما ، فيكون القطع بصدورهما عن المعصوم عليه‌السلام قرينة صارفة لتأويل كلّ من الظاهرين.

وتوضيح الفرق وفساد القياس : أنّ وجوب التعبّد بالظواهر لا يزاحم القطع بالصدور ، بل القطع بالصدور قرينة على إرادة خلاف الظاهر ، وفيما نحن فيه يكون وجوب التعبّد بالظاهر مزاحما لوجوب التعبّد بالسند.

وبعبارة اخرى : العمل بمقتضى أدلّة اعتبار السند والظاهر ـ بمعنى : الحكم بصدورهما وإرادة ظاهرهما ـ غير ممكن ، والممكن من هذه الامور الأربعة اثنان لا غير : إمّا الأخذ بالسندين ، وإمّا الأخذ بظاهر وسند من أحدهما ، فالسند الواحد منهما متيقّن (١) الأخذ به.

وطرح أحد الظاهرين ـ وهو ظاهر الآخر الغير المتيقّن الأخذ بسنده ـ ليس مخالفا للأصل ؛ لأنّ المخالف للأصل ارتكاب التأويل في الكلام بعد الفراغ عن التعبّد بصدوره.

فيدور الأمر بين مخالفة أحد أصلين : إمّا مخالفة دليل التعبّد بالصدور في غير المتيقّن التعبّد ، وإمّا مخالفة الظاهر في متيقّن التعبّد ، وأحدهما ليس حاكما على الآخر ؛ لأنّ الشكّ فيهما مسبّب عن ثالث ، فيتعارضان.

__________________

(١) في (ت) بدل «متيقّن» : «متعيّن» ، وكذا في الموارد المشابهة الآتية.