درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۷: تعارض الدلیلین ۷

 

وممّا ذكرنا يظهر فساد توهّم : أنّه إذا عملنا بدليل حجّيّة الأمارة فيهما وقلنا بأنّ الخبرين معتبران سندا ، فيصيران كمقطوعي الصدور ، ولا إشكال ولا خلاف في أنّه إذا وقع التعارض بين ظاهري مقطوعي الصدور ـ كآيتين أو متواترين ـ وجب تأويلهما والعمل بخلاف ظاهرهما ، فيكون القطع بصدورهما عن المعصوم عليه‌السلام قرينة صارفة لتأويل كلّ من الظاهرين.

وتوضيح الفرق وفساد القياس : أنّ وجوب التعبّد بالظواهر لا يزاحم القطع بالصدور ، بل القطع بالصدور قرينة على إرادة خلاف الظاهر ، وفيما نحن فيه يكون وجوب التعبّد بالظاهر مزاحما لوجوب التعبّد بالسند.

وبعبارة اخرى : العمل بمقتضى أدلّة اعتبار السند والظاهر ـ بمعنى : الحكم بصدورهما وإرادة ظاهرهما ـ غير ممكن ، والممكن من هذه الامور الأربعة اثنان لا غير : إمّا الأخذ بالسندين ، وإمّا الأخذ بظاهر وسند من أحدهما ، فالسند الواحد منهما متيقّن (١) الأخذ به.

وطرح أحد الظاهرين ـ وهو ظاهر الآخر الغير المتيقّن الأخذ بسنده ـ ليس مخالفا للأصل ؛ لأنّ المخالف للأصل ارتكاب التأويل في الكلام بعد الفراغ عن التعبّد بصدوره.

فيدور الأمر بين مخالفة أحد أصلين : إمّا مخالفة دليل التعبّد بالصدور في غير المتيقّن التعبّد ، وإمّا مخالفة الظاهر في متيقّن التعبّد ، وأحدهما ليس حاكما على الآخر ؛ لأنّ الشكّ فيهما مسبّب عن ثالث ، فيتعارضان.

__________________

(١) في (ت) بدل «متيقّن» : «متعيّن» ، وكذا في الموارد المشابهة الآتية.

ومنه يظهر : فساد قياس ذلك بالنصّ الظنّيّ السند مع الظاهر ، حيث يجب (١) الجمع بينهما بطرح ظهور الظاهر ، لا سند النصّ.

توضيحه : أنّ سند الظاهر لا يزاحم دلالته (٢) ـ بديهة (٣) ـ ولا سند النصّ ولا دلالته (٤) ، وأمّا سند النصّ ودلالته ، فإنّما يزاحمان ظاهره لا سنده ، وهما حاكمان (٥) على ظهوره ؛ لأنّ من آثار التعبّد به رفع اليد عن ذلك الظهور ؛ لأنّ الشكّ فيه مسبّب عن الشكّ في التعبّد بالنصّ.

وأضعف ممّا ذكر : توهّم قياس ذلك بما إذا كان خبر بلا معارض ، لكن ظاهره مخالف للإجماع ، فإنّه يحكم بمقتضى اعتبار سنده بإرادة خلاف الظاهر من مدلوله.

لكن لا دوران هناك بين طرح السند والعمل بالظاهر وبين العكس ؛ إذ لو طرحنا سند ذلك الخبر لم يبق مورد للعمل بظاهره ، بخلاف ما نحن فيه ؛ فإنّا إذا طرحنا سند أحد الخبرين أمكننا العمل بظاهر الآخر ، ولا مرجّح لعكس ذلك. بل الظاهر هو الطرح ؛ لأنّ المرجع والمحكّم في الإمكان الذي قيّد به وجوب العمل بالخبرين هو العرف ، ولا شكّ في حكم العرف وأهل اللسان بعدم إمكان العمل بقوله : «أكرم العلماء» ، و «لا تكرم العلماء». نعم ، لو فرض علمهم

__________________

(١) كذا في (د) ، وفي غيرها : «يوجب».

(٢) في (ظ) بدل «لا يزاحم دلالته» : «لا يزاحمه».

(٣) لم ترد «بديهة» في (ت) و (ظ).

(٤) في (ت) و (ص) زيادة : «أمّا دلالته فواضح ؛ إذ لا يبقى مع طرح السند مراعاة للظاهر» ، لكن كتب عليها : «نسخة».

(٥) في (ظ) : «وهو حاكم».