درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۹: تعارض الدلیلین ۹

 

مقابل الامتناع العرفيّ بحكم أهل اللسان ، فإنّ حمل اللفظ على خلاف ظاهره بلا قرينة غير ممكن عند أهل اللسان ، بخلاف حمل العامّ والمطلق على الخاصّ والمقيّد.

ويؤيّده قوله أخيرا : «فإذا لم تتمكّن من ذلك ولم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث» ؛ فإنّ مورد عدم التمكّن ـ ولو بعيدا (١) ـ نادر جدّا.

وبالجملة : فلا يظنّ بصاحب العوالي ولا بمن هو دونه أن يقتصر في الترجيح على موارد لا يمكن تأويل كليهما ، فضلا عن دعواه الإجماع على ذلك.

أقسام الجمع

والتحقيق الذي عليه أهله : أنّ الجمع بين الخبرين المتنافيين بظاهرهما على أقسام ثلاثة :

أحدها : ما يكون متوقّفا على تأويلهما معا.

والثاني : ما يتوقّف على تأويل أحدهما المعيّن.

والثالث : ما يتوقّف على تأويل أحدهما لا بعينه.

أمّا الأوّل ، فهو الذي تقدّم (٢) أنّه مخالف للدليل والنصّ والإجماع.

وأمّا الثاني ، فهو تعارض النصّ والظاهر ، الذي تقدّم (٣) أنّه ليس بتعارض في الحقيقة.

تعارض الظاهرين

وأمّا الثالث ، فمن أمثلته (٤) : العامّ والخاصّ من وجه ، حيث يحصل

__________________

(١) «ولو بعيدا» من (ظ).

(٢) راجع الصفحة ٢٠.

(٣) راجع الصفحة ١٦.

(٤) في (ظ) بدل «فمن أمثلته» : «فمثاله».

الجمع بتخصيص أحدهما مع بقاء الآخر على ظاهره. ومثل قوله : «اغتسل يوم الجمعة» ، بناء على أنّ ظاهر الصيغة الوجوب. وقوله : «ينبغي غسل الجمعة» ، بناء على ظهور هذه المادّة في الاستحباب ، فإنّ الجمع يحصل برفع اليد عن ظاهر أحدهما.

لو كان لأحد الظاهرين مزيّة على الآخر

وحينئذ ، فإن كان لأحد الظاهرين مزيّة وقوّة على الآخر ـ بحيث لو اجتمعا في كلام واحد ، نحو رأيت أسدا يرمي (١) ، أو اتّصلا في كلامين لمتكلّم واحد ، تعيّن العمل بالأظهر وصرف الظاهر إلى ما لا يخالفه ـ كان حكم هذا حكم القسم الثاني ، في أنّه إذا تعبّدنا (٢) بصدور الأظهر يصير قرينة صارفة للظاهر من دون عكس.

نعم ، الفرق بينه وبين القسم الثاني : أنّ التعبّد بصدور النصّ لا يمكن إلاّ بكونه صارفا عن الظاهر ، ولا معنى له غير ذلك ؛ ولذا ذكرنا دوران الأمر فيه بين طرح دلالة الظاهر وطرح سند النصّ ، وفيما نحن فيه يمكن التعبّد بصدور الأظهر وإبقاء الظاهر على حاله وصرف الأظهر ؛ لأنّ كلا من الظهورين مستند إلى أصالة الحقيقة ، إلاّ أنّ العرف يرجّحون أحد الظهورين على الآخر ، فالتعارض موجود والترجيح بالعرف بخلاف النصّ والظاهر (٣).

__________________

(١) لم ترد «نحو رأيت أسدا يرمي» في (ظ).

(٢) في (ت) ، (ه) و (ص) بدل «تعبّدنا» : «تعبّد».

(٣) هنا حاشية من المصنّف ذكرت في (خ) و (ف) ، وهي كما يلي : «نعم ، بعد إحراز الترجيح العرفي للأظهر يصير كالنصّ ويعامل معه معاملة الحاكم ؛ لأنّه يمكن أن يصير قرينة للظاهر ، ولا يصلح الظاهر أن يكون قرينة له ، بل لو اريد التصرّف فيه احتاج إلى قرينة من الخارج ، والأصل عدمها».

لو لم يكن لأحد الظاهرين مزيّة على الآخر

وأمّا لو لم يكن لأحد الظاهرين مزيّة على الآخر ، فالظاهر أنّ الدليل المتقدّم (١) في الجمع ـ وهو ترجيح التعبّد بالصدور على أصالة الظهور ـ غير جار هنا ؛ إذ لو جمع بينهما وحكم باعتبار سندهما وبأنّ أحدهما لا بعينه مؤوّل لم يترتّب على ذلك أزيد من الأخذ بظاهر أحدهما (٢) ، إمّا من باب عروض الإجمال لهما بتساقط أصالتي الحقيقة في كلّ منهما ؛ لأجل التعارض ، فيعمل بالأصل الموافق لأحدهما ، وإمّا من باب التخيير في الأخذ بواحد من أصالتي الحقيقة ، على أضعف الوجهين في حكم (٣) تعارض الأحوال إذا تكافأت. وعلى كلّ تقدير يجب طرح أحدهما.

نعم ، يظهر الثمرة في إعمال المرجّحات السنديّة في هذا القسم ؛ إذ على العمل بقاعدة (٤) «الجمع» يجب أن يحكم بصدورهما وإجمالهما ، كمقطوعي الصدور ، بخلاف ما إذا أدرجناه في ما لا يمكن الجمع ، فإنّه يرجع فيه إلى المرجّحات ، وقد عرفت : أنّ هذا هو الأقوى ، وأنّه (٥) لا محصّل للعمل بهما على أن يكونا مجملين ويرجع إلى الأصل الموافق

__________________

(١) إشارة إلى ما ذكره قبل سطور بقوله : «إذا تعبّدنا بصدور الأظهر يصير قرينة صارفة للظاهر».

(٢) في (ص) بدل «بظاهر أحدهما» : «بأحدهما».

(٣) لم ترد «حكم» في (ر).

(٤) في (ت) ، (ر) و (ه) بدل «العمل بقاعدة» : «إعمال قاعدة».

(٥) في (ظ) بدل «وقد عرفت أنّ هذا هو الأقوى وأنّه» : «والظاهر أنّ حكمه حكم القسم الأوّل إذ».