درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۱۱: تعارض الدلیلین ۱۱

 

لأحدهما (١).

ويؤيّد ذلك بل يدلّ عليه : أنّ الظاهر من العرف دخول هذا القسم في الأخبار العلاجيّة الآمرة بالرجوع إلى المرجّحات.

لكن يوهنه : أنّ اللازم حينئذ بعد فقد المرجّحات التخيير بينهما ، كما هو صريح تلك الأخبار ، مع أنّ الظاهر من سيرة العلماء ـ عدا ما سيجيء من الشيخ (٢) رحمه‌الله في العدّة والاستبصار ـ في مقام الاستنباط التوقّف والرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما.

إلاّ أن يقال : إنّ هذا من باب الترجيح بالأصل ، فيعملون بمطابق الأصل منهما ، لا بالأصل المطابق لأحدهما ، ومع مخالفتهما للأصل فاللازم التخيير على كلّ تقدير ، غاية الأمر أنّ التخيير شرعيّ إن قلنا بدخولهما في عموم الأخبار ، وعقليّ (٣) إن لم نقل.

تفصيل في الظاهرين المتعارضين

وقد يفصّل بين ما إذا كان لكلّ من الظاهرين مورد سليم عن المعارض ، كالعامّين من وجه ؛ حيث إنّ مادّة الافتراق في كلّ منهما سليمة عن المعارض ، وبين غيره ، كقوله : «اغتسل للجمعة» ، و «ينبغي غسل الجمعة» ، فيرجّح الجمع على الطرح في الأوّل ؛ لوجوب العمل بكلّ منهما في الجملة ، فيستبعد الطرح في مادّة الاجتماع ، بخلاف

__________________

(١) في (ت) ، (ص) و (ه) زيادة ، كتب عليها «نسخة» وهي : «ليكون حاصل الأمر بالتعبّد بهما ترك الجمع بينهما والأخذ بالأصل المطابق لأحدهما».

(٢) انظر الصفحة ٨٢ ـ ٨٤.

(٣) في (ظ) زيادة : «على القول به في مخالفي الأصل» ، وكتب عليها في (ص) : «نسخة».

الثاني (١). وسيجيء تتمّة الكلام إن شاء الله تعالى (٢).

ما فرّعه الشهيد الثاني على قاعدة «الجمع»

بقي في المقام : أنّ شيخنا الشهيد الثاني رحمه‌الله فرّع في تمهيده على قضيّة أولويّة الجمع ، الحكم بتنصيف دار تداعياها وهي في يدهما ، أو لا يد لأحدهما ، وأقاما بيّنة (٣) ، انتهى المحكيّ عنه.

ولو خصّ المثال بالصورة الثانية لم يرد عليه ما ذكره المحقّق القمي رحمه‌الله (٤) ، وإن كان ذلك أيضا لا يخلو عن مناقشة يظهر بالتأمّل.

وكيف كان ، فالأولى التمثيل بها وبما أشبهها ، مثل حكمهم بوجوب العمل بالبيّنات في تقويم المعيب والصحيح.

وكيف كان ، فالكلام في مستند أولويّة الجمع بهذا النحو ، أعني العمل بكلّ من الدليلين في بعض مدلولهما المستلزم للمخالفة القطعيّة لمقتضى الدليلين ؛ لأنّ الدليل الواحد لا يتبعّض في الصدق والكذب. ومثل هذا غير جار (٥) في أدلّة الأحكام الشرعيّة.

والتحقيق : أنّ العمل بالدليلين ، بمعنى الحركة والسكون على طبق مدلولهما ، غير ممكن مطلقا ، فلا بدّ ـ على القول بعموم القضيّة المشهورة ـ من العمل على وجه يكون فيه جمع بينهما من جهة وإن كان طرحا من

__________________

(١) لم ترد «وقد يفصّل ـ إلى ـ بخلاف الثاني» في (ظ) ، وورد بدله : «وهذا أظهر».

(٢) انظر الصفحة ٨٧ ـ ٨٩.

(٣) تمهيد القواعد : ٢٨٤.

(٤) انظر القوانين ٢ : ٢٧٩.

(٥) في (ظ) بدل «جار» : «جائز».

جهة اخرى ، في مقابل طرح أحدهما رأسا.

والجمع في أدلّة الأحكام عندهم ، بالعمل بهما من حيث الحكم بصدقهما وإن كان فيه طرح لهما من حيث ظاهرهما.

إمكان الجمع بين البيّنات بالتبعيض

وفي مثل تعارض البيّنات ، لمّا لم يمكن ذلك ؛ لعدم تأتّي التأويل في ظاهر كلمات الشهود ، فهي بمنزلة النصّين المتعارضين ، انحصر وجه الجمع في التبعيض فيهما من حيث التصديق ، بأن يصدّق كلّ من المتعارضين في بعض ما يخبر به.

فمن أخبر بأنّ هذه الدار كلّها لزيد نصدّقه في نصف الدار. وكذا من شهد بأنّ قيمة هذا الشيء صحيحا كذا ومعيبا كذا نصدّقه في أنّ قيمة كلّ نصف منه منضمّا إلى نصفه الآخر نصف القيمة.

عدم إمكان الجمع بالتبعيض في تعارض الأخبار

وهذا النحو غير ممكن في الأخبار ؛ لأنّ مضمون خبر العادل ـ أعني : صدور هذا القول الخاصّ من الإمام عليه‌السلام ـ غير قابل للتبعيض ، بل هو نظير تعارض البيّنات في الزوجيّة أو النسب.

نعم قد يتصوّر التبعيض في ترتيب الآثار على تصديق العادل إذا كان كلّ من الدليلين عامّا ذا أفراد ، فيؤخذ بقوله في بعضها وبقول الآخر في بعضها ، فيكرم بعض العلماء ويهين بعضهم ، فيما إذا ورد : «أكرم العلماء» ، وورد أيضا : «أهن العلماء» ، سواء كانا نصّين بحيث لا يمكن التجوّز في أحدهما ، أو ظاهرين فيمكن الجمع بينهما على وجه التجوّز وعلى طريق التبعيض.

إلاّ أنّ المخالفة القطعية في الأحكام الشرعيّة لا ترتكب في واقعة واحدة ؛ لأنّ الحقّ فيها للشارع ولا يرضى بالمعصية القطعيّة مقدّمة للعلم بالإطاعة ، فيجب اختيار أحدهما وطرح الآخر ، بخلاف حقوق الناس ؛