درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۱۲: تعارض الدلیلین ۱۲

 

جهة اخرى ، في مقابل طرح أحدهما رأسا.

والجمع في أدلّة الأحكام عندهم ، بالعمل بهما من حيث الحكم بصدقهما وإن كان فيه طرح لهما من حيث ظاهرهما.

إمكان الجمع بين البيّنات بالتبعيض

وفي مثل تعارض البيّنات ، لمّا لم يمكن ذلك ؛ لعدم تأتّي التأويل في ظاهر كلمات الشهود ، فهي بمنزلة النصّين المتعارضين ، انحصر وجه الجمع في التبعيض فيهما من حيث التصديق ، بأن يصدّق كلّ من المتعارضين في بعض ما يخبر به.

فمن أخبر بأنّ هذه الدار كلّها لزيد نصدّقه في نصف الدار. وكذا من شهد بأنّ قيمة هذا الشيء صحيحا كذا ومعيبا كذا نصدّقه في أنّ قيمة كلّ نصف منه منضمّا إلى نصفه الآخر نصف القيمة.

عدم إمكان الجمع بالتبعيض في تعارض الأخبار

وهذا النحو غير ممكن في الأخبار ؛ لأنّ مضمون خبر العادل ـ أعني : صدور هذا القول الخاصّ من الإمام عليه‌السلام ـ غير قابل للتبعيض ، بل هو نظير تعارض البيّنات في الزوجيّة أو النسب.

نعم قد يتصوّر التبعيض في ترتيب الآثار على تصديق العادل إذا كان كلّ من الدليلين عامّا ذا أفراد ، فيؤخذ بقوله في بعضها وبقول الآخر في بعضها ، فيكرم بعض العلماء ويهين بعضهم ، فيما إذا ورد : «أكرم العلماء» ، وورد أيضا : «أهن العلماء» ، سواء كانا نصّين بحيث لا يمكن التجوّز في أحدهما ، أو ظاهرين فيمكن الجمع بينهما على وجه التجوّز وعلى طريق التبعيض.

إلاّ أنّ المخالفة القطعية في الأحكام الشرعيّة لا ترتكب في واقعة واحدة ؛ لأنّ الحقّ فيها للشارع ولا يرضى بالمعصية القطعيّة مقدّمة للعلم بالإطاعة ، فيجب اختيار أحدهما وطرح الآخر ، بخلاف حقوق الناس ؛

فإنّ الحقّ فيها لمتعدّد ، فالعمل بالبعض في كلّ منهما جمع بين الحقّين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر بالدواعي النفسانيّة ، فهو أولى من الإهمال الكلّي لأحدهما وتفويض تعيين ذلك إلى اختيار الحاكم ودواعيه النفسانيّة الغير المنضبطة في الموارد. ولأجل هذا يعدّ الجمع بهذا النحو مصالحة بين الخصمين عند العرف ، وقد وقع التعبّد به في بعض النصوص (١) أيضا.

فظهر ممّا ذكرنا : أنّ الجمع في أدلّة الأحكام بالنحو المتقدّم ـ من تأويل كليهما ـ لا أولويّة له أصلا على طرح أحدهما والأخذ بالآخر ، بل الأمر بالعكس.

الجمع بين البيّنات في حقوق الناس

وأمّا الجمع بين البيّنات في حقوق الناس ، فهو وإن كان لا أولويّة فيه على طرح أحدهما بحسب أدلّة حجّيّة البيّنة ؛ لأنّها تدلّ على وجوب الأخذ بكلّ منهما في تمام مضمونه ، فلا فرق في مخالفتها (٢) بين الأخذ لا بكلّ منهما بل بأحدهما ، أو بكلّ منهما لا في تمام مضمونه بل في بعضه ، إلاّ أنّ ما ذكرناه (٣) من الاعتبار لعلّه يكون مرجّحا للثاني على الأوّل.

ويؤيّده : ورود الأمر بالجمع بين الحقّين بهذا النحو في رواية السكوني (٤) ـ المعمول بها ـ في من أودعه رجل درهمين وآخر درهما (٥) ،

__________________

(١) المقصود منه رواية السكوني الآتية بعد سطور.

(٢) في غير (ظ) : «مخالفتهما».

(٣) في (ر) : «ذكر».

(٤) الوسائل ١٣ : ١٧١ ، الباب ١٢ من أحكام الصلح ، الحديث الأوّل.

(٥) في (المصدر) بدل «درهمين ودرهم» : «دينارين ودينار».

فامتزجا بغير تفريط وتلف أحدها.

الأصل في تعارض البيّنات هي القرعة

هذا ، ولكنّ الإنصاف : أنّ الأصل في موارد تعارض البيّنات وشبهها هي القرعة. نعم ، يبقى الكلام في كون القرعة مرجّحة للبيّنة المطابقة لها أو مرجعا بعد تساقط البيّنتين. وكذا الكلام في عموم مورد (١) القرعة أو اختصاصها بما لا يكون هناك أصل عمليّ ـ كأصالة الطهارة ـ مع إحدى البيّنتين. وللكلام مورد آخر (٢).

الكلام في أحكام التعارض في مقامين

فلنرجع إلى ما كنّا فيه ، فنقول : حيث تبيّن عدم تقدّم الجمع على الترجيح ولا على التخيير ، فلا بدّ من الكلام في المقامين اللذين ذكرنا (٣) أنّ الكلام في أحكام التعارض يقع فيهما ، فنقول (٤) :

إنّ المتعارضين ، إمّا أن لا يكون مع أحدهما مرجّح فيكونان متكافئين متعادلين ، وإمّا أن يكون مع أحدهما مرجّح (٥).

__________________

(١) في غير (ت) : «موارد».

(٢) انظر مبحث القرعة في عوائد الأيّام : ٦٣٩ ـ ٦٦٩ ، والعناوين ١ : ٣٥٢ ـ ٣٦٠.

(٣) راجع الصفحة ١٩.

(٤) في (ظ) بدل «حيث تبيّن ـ إلى ـ فنقول» : «هذا تمام الكلام في عدم تقدّم الجمع على الترجيح ، وأمّا على التخيير فلا بدّ من الكلام في مقامين ؛ لأنّا ذكرنا أنّ المتعارضين ...».

(٥) لم ترد «إنّ المتعارضين ـ إلى ـ مرجّح» في (ر) و (ص).