درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۱۴: تعارض الدلیلین ۱۴

 

وأمّا إذا كان لفظا ؛ فلعدم إمكان إرادة المتعارضين من عموم ذلك اللفظ ؛ لأنّه يدلّ على وجوب العمل عينا بكلّ خبر ـ مثلا ـ ولا ريب أنّ وجوب العمل عينا بكلّ من المتعارضين ممتنع ، والعمل بكلّ منهما تخييرا لا يدلّ عليه الكلام (١) ؛ إذ لا يجوز إرادة الوجوب العينيّ بالنسبة إلى غير المتعارضين ، والتخييريّ بالنسبة إلى المتعارضين ، من لفظ واحد. وأمّا العمل بأحدهما الكلّيّ عينا فليس من أفراد العامّ ؛ لأنّ أفراده هي المشخّصات (٢) الخارجيّة ، وليس الواحد على البدل فردا آخر ، بل هو عنوان منتزع منها غير محكوم بحكم نفس المشخّصات بعد الحكم بوجوب العمل بها عينا.

المناقشة فيما أفاده السيّد المجاهد

هذا ، لكن ما ذكره ـ من الفرق بين الإجماع والدليل اللفظيّ ـ لا محصّل ولا ثمرة له فيما نحن فيه (٣) ؛ لأنّ المفروض قيام الإجماع على

__________________

(١) في (ص) بدل «يدلّ عليه الكلام» : «لا دليل عليه».

(٢) في (ظ) : «المتشخّصات» ، وكذا في الموارد المشابهة الآتية.

(٣) لم ترد «هذا ، لكن ـ إلى ـ فيما نحن فيه» في (ظ) ، وورد بدلها ما يلي : «والإنصاف أنّ ما ذكر مغالطة ، أمّا دعوى اختصاص الإجماع بغير المتعارضين ؛ فلأنّه إنّ اريد أنّ وجوب العمل بكلّ منهما له مانع غير وجوب العمل بالآخر ، فهذا خلاف الفرض ؛ لأنّ المفروض باعتراف الطرفين أنّ المانع عن العمل هو وجود المعارض الواجب العمل في نفسه. وإن اريد أنّ وجوب العمل بكل منهما مانع عن وجوب العمل بالآخر ، ففيه : أنّه لا فرق بين الدليل العام على وجوب العمل بالمتعارضين ، وبين قيام الإجماع عليه ، فلا معنى لدعوى أنّ المتيقن منه كذا ؛ إذ ليس هنا أمر زائد على وجوب العمل بكلّ خبر لو لا معارضة حتّى يشكّ فيه.

وأمّا ما يرى من اختصاص حجّية بعض الأمارات واشتراطها بفقد الأمارة

أنّ كلا منهما واجب العمل لو لا المانع الشرعيّ ـ وهو وجوب العمل بالآخر ـ ؛ إذ لا نعني بالمتعارضين إلاّ ما كان كذلك ، وأمّا ما كان وجود أحدهما مانعا عن وجوب العمل بالآخر فهو خارج عن موضوع التعارض ؛ لأنّ الأمارة الممنوعة لا وجوب للعمل بها ، والأمارة المانعة إن كانت واجبة العمل تعيّن العمل بها لسلامتها عن معارضة الاخرى ، فهي بوجودها تمنع وجوب العمل بتلك ، وتلك لا تمنع وجوب العمل بهذه ، لا بوجودها ولا بوجوبها ، فافهم.

والغرض من هذا التطويل حسم مادّة الشبهة التي توهّمها بعضهم (١) : من أنّ القدر المتيقّن من أدلّة الأمارات التي ليس لها عموم لفظيّ هو حجّيّتها مع الخلوّ عن المعارض.

الأصل عدم التساقط والدليل عليه

وحيث اتّضح عدم الفرق في المقام بين كون أدلّة الأمارات من العمومات أو من قبيل الإجماع ، فنقول : إنّ الحكم بوجوب الأخذ بأحد المتعارضين في الجملة وعدم تساقطهما ليس لأجل شمول العموم اللفظيّ

__________________

الفلانية ـ كاشتراط حجيّة الخبر بعدم كون الشهرة على خلافه ، فيكون لعدم الشهرة مدخلا في أصل الحجيّة ـ فليس من قبيل ما نحن فيه ؛ إذ فرق بيّن بين اشتراط وجوب العمل بأمارة بعدم وجود الأمارة المخالفة فيكون غير حجّة مع وجودها ، وبين اشتراطه بعدم وجوب العمل بها فيكون وجوب العمل بكلّ منهما مانعا عن وجوب العمل بالاخرى ؛ لاستحالة إيجاب العمل بالمتقابلين ، فحجيّة كلّ منهما بالذات ثابتة ، لكن وجوب العمل بهما بالفعل غير ممكن ؛ لمعارضته بوجوب مخالفها.

ومن المعلوم أنّ هذا المعنى لا يتفاوت بكون الدليل عامّا لفظيّا أو إجماعا».

(١) هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول ، كما تقدّم في الصفحة ٣٣.

لأحدهما على البدل من حيث هذا المفهوم المنتزع ؛ لأنّ ذلك غير ممكن ، كما تقدّم وجهه في بيان الشبهة (١). لكن (٢) ، لمّا كان امتثال التكليف بالعمل بكلّ منهما كسائر التكاليف الشرعيّة والعرفيّة مشروطا بالقدرة ، والمفروض أنّ كلا منهما مقدور في حال ترك الآخر وغير مقدور مع إيجاد الآخر ، فكلّ منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه ويتعيّن فعله ، ومع إيجاد الآخر يجوز تركه ولا يعاقب عليه ، فوجوب الأخذ بأحدهما نتيجة أدلّة وجوب الامتثال والعمل بكلّ منهما ، بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة (٣).

وهذا ممّا يحكم به بديهة العقل ، كما في كلّ واجبين اجتمعا على المكلّف ، ولا مانع من تعيين كلّ منهما على المكلّف بمقتضى دليله إلاّ تعيين الآخر عليه كذلك.

والسرّ في ذلك : أنّا لو حكمنا بسقوط كليهما مع إمكان أحدهما على البدل ، لم يكن وجوب كلّ واحد منهما ثابتا بمجرّد الإمكان ، ولزم كون وجوب كلّ منهما مشروطا بعدم انضمامه مع الآخر ، وهذا خلاف

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٣٤.

(٢) في (خ) و (ف) بدل «لكن» : «بل».

(٣) وردت في (ظ) بدل «من حيث هذا ـ إلى ـ بالقدرة» العبارة التالية : «نظير شموله للواحد المعيّن ؛ لأنّ دخول أحدهما على البدل وخروج الآخر غير ممكن ، كما تقدّم وجهه في بيان الشبهة ، وإنّما هو حكم عقليّ يحكم به العقل بعد ملاحظة وجوب كلّ منهما في حدّ نفسه ، بحيث لو أمكن الجمع بينهما وجب كلاهما ؛ لبقاء المصلحة في كلّ منهما ، غاية الأمر أنّه يفوته إحدى المصلحتين ويدرك الاخرى».

ما فرضنا : من عدم تقييد كلّ منهما في مقام الامتثال (١) بأزيد من الإمكان ، سواء كان وجوب كلّ منهما بأمر (٢) ، أو كان بأمر واحد يشمل الواجبين. وليس التخيير في القسم الأوّل لاستعمال الأمر في التخيير (٣) ـ كما توهّم (٤) ـ بل من جهة ما عرفت (٥).

والحاصل : أنّه إذا أمر الشارع بشيء واحد استقلّ العقل بوجوب إطاعته في ذلك الأمر بشرط عدم المانع العقليّ والشرعي (٦) ، وإذا أمر بشيئين واتفق امتناع إيجادهما في الخارج استقلّ بوجوب إطاعته في أحدهما لا بعينه ؛ لأنّها ممكنة ، فيقبح تركها.

مقتضى الأصل التخيير بناء على السببيّة

لكن ، هذا كلّه على تقدير أن يكون العمل بالخبر من باب السببيّة ، بأن يكون قيام الخبر على وجوب فعل واقعا ، سببا شرعيّا لوجوبه ظاهرا على المكلّف ، فيصير المتعارضان من قبيل السببين المتزاحمين ، فيلغى أحدهما مع وجود وصف السببيّة فيه لإعمال الآخر ، كما في كلّ واجبين متزاحمين.

__________________

(١) لم ترد «في مقام الامتثال» في (ظ).

(٢) في غير (ر) و (ص) : «بأمرين».

(٣) في (ظ) زيادة : «ولا في القسم الثاني بالعموم اللفظي» ، كما أنّه وردت عبارة «سواء كان ـ إلى ـ في التخيير» في (ظ) قبل عبارة «والسرّ في ذلك ـ إلى ـ بأزيد من الإمكان».

(٤) في نسخة بدل (ص) : «كما يتوهّم».

(٥) عبارة «كما توهّم ، بل من جهة ما عرفت» من (ت) ، (ه) ونسخة بدل (ص).

(٦) لم ترد «بشرط عدم المانع العقلي والشرعي» في (ظ).