درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۲۳: تعارض الدلیلین ۲۳

 

العقل عند التزاحم بوجوب ترك غيره ، وكون وجوب الأهمّ مزاحما لوجوب غيره من دون عكس. وكذا لو احتمل الأهميّة في أحدهما دون الآخر. وما نحن فيه ليس كذلك قطعا ؛ فإنّ وجوب العمل بالراجح من الخبرين ليس آكد من وجوب العمل بغيره.

هذا ، وقد عرفت فيما تقدّم (١) : أنّا لا نقول بأصالة التخيير في تعارض الأخبار ، بل ولا غيرها من الأدلّة ؛ بناء على أنّ الظاهر من أدلّتها وأدلّة حكم تعارضها كونها من باب الطريقيّة ، ولازمه التوقّف والرجوع إلى الأصل المطابق لأحدهما أو أحدهما المطابق للأصل ، إلاّ أنّ الدليل الشرعيّ دلّ على وجوب العمل بأحد المتعارضين في الجملة ، وحيث كان ذلك بحكم الشرع فالمتيقّن من التخيير هو صورة تكافؤ الخبرين.

الأصل وجوب العمل بالمرجّح ، بل ما يحتمل كونه مرجّحا

أمّا مع مزيّة أحدهما على الآخر من بعض الجهات فالمتيقّن هو جواز العمل بالراجح ، وأمّا العمل بالمرجوح فلم يثبت ، فلا يجوز الالتزام به (٢) ، فصار الأصل وجوب العمل بالراجح ، وهو أصل ثانوي ، بل الأصل فيما يحتمل كونه مرجّحا الترجيح به ، إلاّ أن يرد عليه إطلاقات التخيير ؛ بناء على وجوب الاقتصار في تقييدها على ما علم كونه مرجّحا.

استدلال آخر على وجوب الترجيح والمناقشة فيه

وقد يستدلّ على وجوب الترجيح (٣) : بأنّه لو لا ذلك لاختلّ نظم

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٨.

(٢) «به» من (ت).

(٣) انظر مفاتيح الاصول : ٦٨٧.

الاجتهاد ، بل نظام الفقه ؛ من حيث لزوم التخيير بين الخاصّ والعامّ والمطلق والمقيّد وغيرهما من الظاهر والنصّ المتعارضين.

وفيه : أنّ الظاهر خروج مثل هذه المعارضات عن محلّ النزاع ؛ فإنّ الظاهر لا يعدّ معارضا للنصّ ، إمّا لأنّ العمل به لأصالة عدم الصارف المندفعة بوجود النصّ ، وإمّا لأنّ ذلك لا يعدّ تعارضا في العرف. ومحلّ النزاع في غير ذلك.

ضعف القول بعدم وجوب الترجيح وضعف دليله

وكيف كان ، فقد ظهر ضعف القول المزبور وضعف دليله المذكور (١) ، وهو : عدم الدليل على الترجيح بقوّة الظنّ.

وأضعفيّة دليله الآخر

وأضعف من ذلك ما حكي عن النهاية ، من احتجاجه : بأنّه لو وجب الترجيح بين الأمارات في الأحكام لوجب عند تعارض البيّنات ، والتالي باطل ؛ لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين (٢).

جواب العلّامة عن هذا الدليل

وأجاب عنه في محكيّ النهاية والمنية : بمنع بطلان التالي ، وأنّه يقدّم شهادة الأربعة على الاثنين. سلّمنا ، لكن عدم الترجيح في الشهادة ربما كان مذهب أكثر الصحابة ، والترجيح هنا مذهب الجميع (٣) ، انتهى.

المناقشة في جواب العلّامة قدس‌سره

ومرجع الأخير إلى أنّه لو لا الإجماع حكمنا بالترجيح في البيّنات أيضا.

__________________

(١) في (ر) و (ه) زيادة : «له».

(٢) نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥١ ـ ٤٥٢ ، وحكاه عنه في مفاتيح الاصول : ٦٨٨.

(٣) نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٢ ، ومنية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٦٩ ، وحكاه عنهما السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٨٨.

ويظهر ما فيه ممّا ذكرنا سابقا (١) ؛ فإنّا لو بنينا على أنّ حجّيّة البيّنة من باب الطريقيّة ، فاللازم مع التعارض التوقّف والرجوع إلى ما يقتضيه الاصول في ذلك المورد : من التحالف ، أو القرعة ، أو غير ذلك.

ولو بني على حجّيّتها من باب السببيّة والموضوعيّة ، فقد ذكرنا : أنّه لا وجه للترجيح بمجرّد أقربيّة أحدهما إلى الواقع ؛ لعدم تفاوت الراجح والمرجوح في الدخول فيما دلّ على كون البيّنة سببا للحكم على طبقها ، وتمانعهما مستند إلى مجرّد سببيّة كلّ منهما ، كما هو المفروض. فجعل أحدهما مانعا دون الآخر لا يحتمله العقل.

حمل أخبار الترجيح على الاستحباب في كلام السيّد الصدر

ثمّ إنّه يظهر من السيّد الصدر ـ الشارح للوافية ـ الرجوع في المتعارضين من الأخبار إلى التخيير أو التوقّف (٢) والاحتياط ، وحمل أخبار الترجيح على الاستحباب ، حيث قال ـ بعد إيراد إشكالات على العمل بظاهر الأخبار ـ :

«إنّ الجواب عن الكلّ ما أشرنا إليه : من أنّ الأصل التوقّف في الفتوى والتخيير في العمل إن لم يحصل من دليل آخر العلم بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع ، وأنّ الترجيح هو الفضل والأولى» (٣).

المناقشة في ما أفاده السيّد الصدر

ولا يخفى بعده عن مدلول أخبار الترجيح. وكيف يحمل الأمر بالأخذ بما يخالف (٤) العامّة وطرح ما وافقهم على الاستحباب ، خصوصا

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٨.

(٢) كذا في النسخ ، والمناسب : «والتوقّف» ، كما هو مفاد كلام السيّد الصدر.

(٣) شرح الوافية (مخطوط) : ٥٠٠.

(٤) كذا في (ص) ، وفي غيرها : «بمخالف».