درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۲۴: تعارض الدلیلین ۲۴

 

ويظهر ما فيه ممّا ذكرنا سابقا (١) ؛ فإنّا لو بنينا على أنّ حجّيّة البيّنة من باب الطريقيّة ، فاللازم مع التعارض التوقّف والرجوع إلى ما يقتضيه الاصول في ذلك المورد : من التحالف ، أو القرعة ، أو غير ذلك.

ولو بني على حجّيّتها من باب السببيّة والموضوعيّة ، فقد ذكرنا : أنّه لا وجه للترجيح بمجرّد أقربيّة أحدهما إلى الواقع ؛ لعدم تفاوت الراجح والمرجوح في الدخول فيما دلّ على كون البيّنة سببا للحكم على طبقها ، وتمانعهما مستند إلى مجرّد سببيّة كلّ منهما ، كما هو المفروض. فجعل أحدهما مانعا دون الآخر لا يحتمله العقل.

حمل أخبار الترجيح على الاستحباب في كلام السيّد الصدر

ثمّ إنّه يظهر من السيّد الصدر ـ الشارح للوافية ـ الرجوع في المتعارضين من الأخبار إلى التخيير أو التوقّف (٢) والاحتياط ، وحمل أخبار الترجيح على الاستحباب ، حيث قال ـ بعد إيراد إشكالات على العمل بظاهر الأخبار ـ :

«إنّ الجواب عن الكلّ ما أشرنا إليه : من أنّ الأصل التوقّف في الفتوى والتخيير في العمل إن لم يحصل من دليل آخر العلم بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع ، وأنّ الترجيح هو الفضل والأولى» (٣).

المناقشة في ما أفاده السيّد الصدر

ولا يخفى بعده عن مدلول أخبار الترجيح. وكيف يحمل الأمر بالأخذ بما يخالف (٤) العامّة وطرح ما وافقهم على الاستحباب ، خصوصا

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٨.

(٢) كذا في النسخ ، والمناسب : «والتوقّف» ، كما هو مفاد كلام السيّد الصدر.

(٣) شرح الوافية (مخطوط) : ٥٠٠.

(٤) كذا في (ص) ، وفي غيرها : «بمخالف».

مع التعليل ب «أنّ الرشد في خلافهم» ، و «أنّ قولهم في المسائل مبنيّ على مخالفة أمير المؤمنين عليه‌السلام فيما يسمعونه منه». وكذا الأمر بطرح الشاذّ النادر ، وبعدم الاعتناء والالتفات إلى حكم غير الأعدل والأفقه من الحكمين.

مع أنّ في سياق تلك المرجّحات موافقة الكتاب والسنّة ومخالفتهما ، ولا يمكن حمله على الاستحباب ، فلو حمل غيره عليه لزم التفكيك ، فتأمّل.

وكيف كان ، فلا شكّ أنّ التفصّي عن الإشكالات الداعية له إلى ذلك ، أهون من هذا الحمل (١).

ثمّ لو سلّمنا دوران الأمر بين تقييد أخبار التخيير وبين حمل أخبار الترجيح على الاستحباب ، فلو لم يكن الأوّل أقوى وجب التوقّف ، فيجب العمل بالترجيح ؛ لما عرفت (٢) : من أنّ حكم الشارع بأحد المتعارضين إذا كان مردّدا بين التخيير والتعيين وجب التزام ما احتمل تعيينه.

__________________

(١) في (ر) ، (ه) و (ص) زيادة : «لما عرفت من عدم جواز الحمل على الاستحباب».

(٢) راجع الصفحة ٥٠.

المقام الثاني

الأخبار العلاجيّة

في ذكر الأخبار الواردة في أحكام المتعارضين ، وهي أخبار :

١ ـ مقبولة عمر بن حنظلة

الأوّل : ما رواه المشايخ الثلاثة (١) بإسنادهم عن (٢) عمر بن حنظلة :

«قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا ، يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة ، أيحلّ ذلك؟

قال عليه‌السلام : من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل ، فإنّما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا وإن كان حقّه ثابتا ؛ لأنّه أخذ (٣) بحكم الطاغوت ، وإنّما أمر الله أن يكفر به. قال الله تعالى : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾(٤).

قلت : فكيف يصنعان؟

قال : ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا ، فليرضوا به حكما ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل (٥) منه ، فإنّما بحكم الله

__________________

(١) وهم الكليني والصدوق والشيخ قدّس الله أسرارهم.

(٢) في (ر) بدل «عن» : «إلى».

(٣) في (ص) و (ظ) والكافي : «أخذه».

(٤) النساء : ٦٠.

(٥) في المصادر : «فلم يقبله».

استخفّ وعلينا قد ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على الله ، وهو على حدّ الشرك بالله.

قلت : فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا ، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما ، فاختلفا في ما حكما ، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟

قال : الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما. ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قلت : فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا ، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟

قال : ينظر إلى ما كان من روايتهم (١) عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك ، فيؤخذ به من حكمهما (٢) ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، وإنّما الامور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى الله (٣). قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات ، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات (٤) وهلك من حيث لا يعلم.

قال : قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين ، قد رواهما الثّقات عنكم؟

__________________

(١) كذا في النسخ والكافي ، وفي سائر المصادر : «روايتهما».

(٢) في المصادر : «من حكمنا».

(٣) في التهذيب والفقيه زيادة : «عزّ وجلّ» وفي الكافي زيادة : «وإلى رسوله» ، وفي التهذيب : «وإلى الرسول».

(٤) في المصادر : «ارتكب المحرّمات».

قال : ينظر ، فما (١) وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف الكتاب والسنّة ووافق العامّة.

قلت : جعلت فداك ، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ، فوجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة والآخر مخالفا (٢) ، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال : ما خالف العامّة ففيه الرشاد.

فقلت (٣) : جعلت فداك ، فإن وافقهم (٤) الخبران جميعا.

قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل ، حكّامهم وقضاتهم ، فيترك ويؤخذ بالآخر.

قلت : فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا.

قال : إذا كان كذلك (٥) فأرجه (٦) حتّى تلقى إمامك ؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (٧).

ظهور المقبولة في وجوب الترجيح بالمرجّحات

وهذه الرواية الشريفة وإن لم تخل عن الإشكال بل الإشكالات

__________________

(١) في التهذيب : «فيما».

(٢) في الفقيه زيادة : «لها» ، وفي غيره : «لهم».

(٣) في (ظ) والتهذيب والفقيه : «قلت».

(٤) في (ت) ، (ر) ، (ه) ونسخة بدل (ص) : «وافقها» ، وفي المصادر : «وافقهما».

(٥) كذا في (ص) و (ظ) والفقيه ، وفي غيرها : «ذلك».

(٦) في الوسائل : «فأرجئه».

(٧) الكافي ١ : ٦٧ و ٦٨ ، الحديث ١٠ ، والتهذيب ٦ : ٣٠١ ، و ٣٠٢ ، الحديث ٨٤٥ ، والفقيه ٣ : ٨ ـ ١١ ، الحديث ٣٢٣٣ ، والوسائل ١٨ : ٧٥ و ٧٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث الأوّل.