درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۲۵: تعارض الدلیلین ۲۵

 

قال : ينظر ، فما (١) وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ، ويترك ما خالف الكتاب والسنّة ووافق العامّة.

قلت : جعلت فداك ، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ، فوجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة والآخر مخالفا (٢) ، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال : ما خالف العامّة ففيه الرشاد.

فقلت (٣) : جعلت فداك ، فإن وافقهم (٤) الخبران جميعا.

قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل ، حكّامهم وقضاتهم ، فيترك ويؤخذ بالآخر.

قلت : فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا.

قال : إذا كان كذلك (٥) فأرجه (٦) حتّى تلقى إمامك ؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (٧).

ظهور المقبولة في وجوب الترجيح بالمرجّحات

وهذه الرواية الشريفة وإن لم تخل عن الإشكال بل الإشكالات

__________________

(١) في التهذيب : «فيما».

(٢) في الفقيه زيادة : «لها» ، وفي غيره : «لهم».

(٣) في (ظ) والتهذيب والفقيه : «قلت».

(٤) في (ت) ، (ر) ، (ه) ونسخة بدل (ص) : «وافقها» ، وفي المصادر : «وافقهما».

(٥) كذا في (ص) و (ظ) والفقيه ، وفي غيرها : «ذلك».

(٦) في الوسائل : «فأرجئه».

(٧) الكافي ١ : ٦٧ و ٦٨ ، الحديث ١٠ ، والتهذيب ٦ : ٣٠١ ، و ٣٠٢ ، الحديث ٨٤٥ ، والفقيه ٣ : ٨ ـ ١١ ، الحديث ٣٢٣٣ ، والوسائل ١٨ : ٧٥ و ٧٦ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث الأوّل.

ـ من حيث ظهور صدرها في التحكيم لأجل فصل الخصومة وقطع المنازعة ، فلا يناسبها التعدّد ، ولا غفلة كلّ من الحكمين عن المعارض الواضح لمدرك حكمه ، ولا اجتهاد المترافعين وتحرّيهما في ترجيح مستند أحد الحكمين على الآخر ، ولا جواز الحكم من أحدهما بعد حكم الآخر مع بعد فرض وقوعهما دفعة ، مع أنّ الظاهر حينئذ تساقطهما والحاجة إلى حكم ثالث ـ ظاهرة بل صريحة في وجوب الترجيح بهذه المرجّحات بين الأخبار المتعارضة (١) ، فإنّ تلك الإشكالات لا تدفع هذا الظهور ، بل الصراحة.

بعض الإشكالات في ترتّب المرجّحات في المقبولة

نعم يرد عليه بعض الإشكالات في ترتّب المرجّحات ؛ فإنّ ظاهر الرواية تقديم الترجيح من حيث صفات الراوي على الترجيح بالشهرة والشذوذ ، مع أنّ عمل العلماء قديما وحديثا على العكس ـ على ما يدلّ عليه المرفوعة الآتية (٢) ـ فإنّهم (٣) لا ينظرون عند تعارض المشهور والشاذّ إلى صفات الراوي أصلا.

اللهمّ إلاّ أن يمنع ذلك ؛ فإنّ الراوي إذا فرض كونه أفقه وأصدق وأورع ، لم يبعد ترجيح روايته ـ وإن انفرد بها ـ على الرواية المشهورة بين الرواة ؛ لكشف اختياره إيّاها مع فقهه وورعه عن اطّلاعه على قدح في الرواية المشهورة ـ مثل صدورها تقيّة ـ أو تأويل لم يطّلع عليه غيره ؛ لكمال فقاهته وتنبّهه لدقائق الامور وجهات الصدور. نعم ، مجرّد

__________________

(١) في غير (ت) و (ر) بدل «الأخبار المتعارضة» : «المتعارضين».

(٢) تأتي في الصفحة ٦٢.

(٣) في (ر) ونسخة بدل (ص) : «فإنّ العلماء».

أصدقيّة الراوي وأورعيّته لا يوجب ذلك ، ما لم ينضمّ إليهما الأفقهيّة.

هذا ، ولكنّ الرواية مطلقة ، فتشمل الخبر المشهور روايته بين الأصحاب حتّى بين من هو أفقه من هذا المتفرّد برواية الشاذّ ، وإن كان هو أفقه من صاحبه المرضيّ بحكومته. مع أنّ أفقهيّة الحاكم بإحدى الروايتين لا تستلزم أفقهيّة جميع رواتها ، فقد يكون من عداه مفضولا بالنسبة إلى رواة الاخرى ، إلاّ أن ينزّل الرواية على غير هاتين الصورتين.

عدم قدح هذه الإشكالات في ظهور المقبولة

وبالجملة : فهذا الإشكال (١) أيضا لا يقدح في ظهور الرواية بل صراحتها في وجوب الترجيح بصفات الراوي ، وبالشهرة من حيث الرواية ، وبموافقة الكتاب والسنّة (٢) ، ومخالفة العامّة.

نعم ، المذكور في الرواية الترجيح باجتماع صفات الراوي من العدالة والفقاهة والصداقة والورع.

لكنّ الظاهر إرادة بيان جواز الترجيح بكلّ منها ؛ ولذا (٣) لم يسأل الراوي عن صورة وجود بعض الصفات دون بعض ، أو تعارض الصفات بعضها مع بعض ، بل ذكر في السؤال أنّهما معا عدلان مرضيّان لا يفضل أحدهما على صاحبه ، فقد فهم أنّ الترجيح بمطلق التفاضل.

وكذا يوجّه الجمع بين موافقة الكتاب والسنّة ومخالفة العامّة ، مع كفاية واحدة منها إجماعا.

__________________

(١) لم ترد «الإشكال» في (ت).

(٢) «والسنّة» من (ت).

(٣) لم ترد «لذا» في (ص).