درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۳۱: تعارض الدلیلین ۳۱

 

المقام الرابع

في بيان المرجّحات.

أصناف المرجّحات

وهي على قسمين :

أحدهما : ما يكون داخليّا ، وهي كلّ مزيّة غير مستقلّة في نفسها ، بل متقوّمة بما فيه.

وثانيهما : ما يكون خارجيّا ، بأن يكون أمرا مستقلا بنفسه ولو لم يكن هناك خبر ، سواء كان معتبرا كالأصل والكتاب ، أو غير معتبر في نفسه (١) كالشهرة ونحوها.

ثمّ المستقلّ (٢) : إمّا أن يكون مؤثّرا في أقربيّة أحد الخبرين إلى الواقع كالكتاب ، والأصل بناء على إفادته الظنّ ، أو غير مؤثّر ككون الحرمة أولى بالأخذ من الوجوب ، والأصل بناء على كونه من باب التعبّد الظاهريّ.

وجعل المستقلّ (٣) مطلقا ـ خصوصا ما لا يؤثّر في الخبر ـ من المرجّحات لا يخلو عن مسامحة.

__________________

(١) لم ترد «في نفسه» في (ظ).

(٢) في (ه) ونسخة بدل (ت) و (ص) بدل «المستقلّ» : «المعتبر».

(٣) في (ص) ونسخة بدل (ت) و (ه) بدل «المستقلّ» : «المعتبر».

[المرجحات الداخليّة] (١)

أمّا الداخلي ، فهو على أقسام ؛ لأنّه :

إمّا أن يكون راجعا إلى الصدور ، فيفيد المرجّح كون الخبر أقرب إلى الصدور وأبعد عن الكذب ، سواء كان راجعا إلى سنده كصفات الراوي ، أو إلى متنه كالأفصحيّة. وهذا لا يكون إلاّ في أخبار الآحاد.

وإمّا أن يكون راجعا إلى وجه الصدور ، ككون أحدهما مخالفا للعامّة أو لعمل سلطان الجور أو قاضي الجور ، بناء على احتمال كون مثل هذا الخبر صادرا لأجل التقيّة.

وإمّا أن يكون راجعا إلى مضمونه ، كالمنقول باللفظ بالنسبة إلى المنقول بالمعنى ؛ إذ يحتمل الاشتباه في التعبير ، فيكون مضمون المنقول باللفظ أقرب إلى الواقع ، و (٢) كمخالفة العامّة بناء على أنّ الوجه في الترجيح بها ما في أكثر الروايات : من «أنّ خلافهم أقرب إلى الحقّ» (٣) ، وكالترجيح بشهرة الرواية ونحوها.

تأخّر المرجّحات الداخليّة عن الترجيح بالدلالة والاستدلال عليه

وهذه الأنواع الثلاثة كلّها متأخّرة عن الترجيح باعتبار قوّة الدلالة ، فإنّ الأقوى دلالة مقدّم على ما كان أصحّ سندا وموافقا للكتاب ومشهور الرواية بين الأصحاب ؛ لأنّ صفات الرواية لا تزيده

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) لم ترد «كالمنقول ـ إلى ـ إلى الواقع و» في (ظ).

(٣) لم ترد «وكمخالفة ـ إلى ـ إلى الحقّ» في (ر) و (ص).

على المتواتر ، وموافقة الكتاب لا تجعله أعلى من الكتاب ، وقد تقرّر في محلّه تخصيص الكتاب والمتواتر بأخبار الآحاد.

فكلّما رجع التعارض إلى تعارض الظاهر والأظهر ، فلا ينبغي الارتياب في عدم ملاحظة المرجّحات الأخر.

والسرّ في ذلك ما أشرنا إليه سابقا (١) : من أنّ مصبّ الترجيح بها هو ما إذا لم يمكن الجمع بوجه عرفيّ يجري في كلامين مقطوعي الصدور على غير جهة التقيّة (٢) ، بل في جزءي كلام واحد لمتكلّم واحد.

وبتقرير آخر : إذا أمكن فرض صدور الكلامين على غير جهة التقيّة (٣) ، وصيرورتهما كالكلام الواحد ـ على ما هو مقتضى دليل وجوب التعبّد بصدور الخبرين ـ فيدخل في قوله عليه‌السلام : «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ...» إلى آخر الرواية المتقدّمة (٤) ، وقوله عليه‌السلام : «إنّ في كلامنا محكما ومتشابها فردّوا متشابهها إلى محكمها» (٥) ، ولا يدخل ذلك في مورد السؤال عن علاج المتعارضين ، بل مورد السؤال عن العلاج مختصّ بما إذا كان المتعارضان لو فرض صدورهما ، بل اقترانهما ، تحيّر السائل فيهما ، ولم يظهر المراد منهما إلاّ ببيان آخر لأحدهما أو لكليهما. نعم ، قد يقع الكلام في ترجيح بعض الظواهر على بعض وتعيين

__________________

(١) راجع الصفحة ١٩ و ٧١.

(٢) شطب على «غير جهة التقيّة» في (ت).

(٣) لم ترد «بل في جزئي ـ إلى ـ جهة التقيّة» في (ظ).

(٤) تقدّمت في الصفحة ٦٧.

(٥) الوسائل ١٨ : ٨٢ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٢.

الأظهر ، وهذا خارج عمّا نحن فيه.

وما ذكرناه كأنّه (١) ممّا لا خلاف فيه ـ كما استظهره بعض مشايخنا المعاصرين (٢) ـ ، ويشهد له ما يظهر من مذاهبهم في الاصول وطريقتهم في الفروع (٣).

ظاهر كلام الشيخ الطوسي خلاف ذلك

نعم قد يظهر من عبارة الشيخ قدس‌سره في الاستبصار خلاف ذلك ، بل يظهر منه أنّ الترجيح بالمرجّحات يلاحظ بين النصّ والظاهر ، فضلا عن الظاهر والأظهر ؛ فإنّه قدس‌سره بعد ما (٤) ذكر حكم الخبر الخالي عمّا يعارضه ، قال :

كلام الشيخ في الاستبصار

وإن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارضين ، فيعمل على أعدل الرواة في الطريقين.

وإن كانا سواء في العدالة عمل على أكثر الرواة عددا.

وإن كانا متساويين في العدالة والعدد وكانا عاريين عن جميع القرائن التي ذكرناها نظر :

فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه وضرب من التأويل ، كان العمل به أولى من العمل بالآخر

__________________

(١) لم ترد «كأنّه» في (ر) و (ه).

(٢) هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٩٩ و ٧٠٤.

(٣) في (ظ) بدل «كما استظهر ـ إلى ـ في الفروع» : «كما يظهر من مذاهبهم في الاصول وطريقتهم في الفروع ، كما استظهر بعض مشايخنا المعاصرين» ، انظر الفصول : ٤٤٠ ـ ٤٤١ ، والقوانين ١ : ٣٠٤.

(٤) «ما» من (ص).