درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۳۴: تعارض الدلیلین ۳۴

 

فيتساقط الظهوران من الطرفين ، فيصيران مجملين بالنسبة إلى مورد التعارض ، فهما كظاهري مقطوعي الصدور ، أو ككلام واحد تصادم فيه ظاهران.

ويشكل بصدق التعارض بينهما عرفا ودخولهما في الأخبار العلاجيّة ؛ إذ تخصيصها بخصوص المتعارضين اللذين لا يمكن الجمع بينهما إلاّ بإخراج كليهما عن ظاهرهما خلاف الظاهر ، مع أنّه لا محصّل للحكم بصدور الخبرين والتعبّد بكليهما ؛ لأجل أن يكون كلّ منهما سببا لإجمال الآخر ، ويتوقّف في العمل بهما فيرجع إلى الأصل ؛ إذ لا يترتّب حينئذ ثمرة على الأمر بالعمل بهما. نعم ، كلاهما دليل واحد على نفي الثالث ، كما في المتباينين.

وهذا هو المتعيّن ؛ ولذا استقرّت طريقة العلماء على ملاحظة المرجّحات السنديّة في مثل ذلك ، إلاّ أنّ اللازم من ذلك وجوب التخيير بينهما عند فقد المرجّحات ، كما هو ظاهر آخر عبارتي العدّة والاستبصار المتقدّمتين. كما أنّ اللازم على الأوّل التوقّف من أوّل الأمر والرجوع إلى الأصل إن لم يكن مخالفا لهما ، وإلاّ فالتخيير من جهة العقل ، بناء على القول به في دوران الأمر بين احتمالين مخالفين للأصل ، كالوجوب والحرمة.

وقد أشرنا سابقا إلى أنّه قد يفصّل في المسألة (١) :

بين ما إذا كان لكلّ من المتعارضين مورد سليم عن التعارض ، كما في العامّين من وجه ؛ حيث إنّ الرجوع إلى المرجّحات السنديّة

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٨.

فيهما على الإطلاق ، يوجب طرح الخبر المرجوح في مادّة الافتراق ولا وجه له ، والاقتصار في الترجيح بها على (١) خصوص مادّة الاجتماع التي هي محلّ المعارضة وطرح المرجوح بالنسبة إليها مع العمل به في مادّة الافتراق ، بعيد عن ظاهر الأخبار العلاجيّة.

وبين ما إذا لم يكن لهما مورد سليم ، مثل قوله : «اغتسل للجمعة» الظاهر في الوجوب ، وقوله : «ينبغي غسل الجمعة» الظاهر في الاستحباب ، فيطرح الخبر المرجوح رأسا لأجل بعض المرجّحات.

لكنّ الاستبعاد المذكور في الأخبار العلاجيّة إنّما هو من جهة أنّ بناء العرف في العمل بأخبارهم من حيث الظنّ بالصدور ، فلا يمكن التبعيض (٢) في صدور العامّين من وجه من حيث مادّتي الافتراق والاجتماع (٣).

وأمّا إذا تعبّدنا الشارع بصدور الخبر الجامع للشرائط ، فلا مانع من تعبّده ببعض مضمون الخبر دون بعض.

وكيف كان فترك التفصيل أوجه منه ، وهو أوجه من إطلاق إهمال المرجّحات.

وأمّا ما ذكرنا في وجهه : من عدم جواز طرح دليل حجّيّة أحد الخبرين لأصالة الظهور في (٤) الآخر ، فهو إنّما يحسن إذا كان ذلك الخبر

__________________

(١) في غير (ت) بدل «على» : «في».

(٢) في غير (ظ) : «التبعّض».

(٣) في (ص) ، (ه) و (ر) زيادة : «كما أشرنا سابقا إلى أنّ الخبرين المتعارضين من هذا القبيل».

(٤) في غير (ص) بدل «الظهور في» : «ظهور».

بنفسه قرينة على إرادة (١) خلاف الظاهر في الآخر ، وأمّا إذا كان محتاجا إلى دليل ثالث يوجب صرف أحدهما ، فحكمهما حكم الظاهرين المحتاجين في الجمع بينهما إلى شاهدين ، في أنّ العمل بكليهما مع تعارض ظاهريهما يعدّ (٢) غير ممكن ، فلا بدّ من طرح أحدهما معيّنا ؛ للترجيح ، أو غير معيّن ؛ للتخيير. ولا يقاس حالهما على حال مقطوعي الصدور في الالتجاء إلى الجمع بينهما ، كما أشرنا (٣) إلى دفع ذلك عند الكلام في أولويّة (٤) الجمع على الطرح ، والمسألة محلّ إشكال.

تقديم النصّ على الظاهر خارج عن مسألة الترجيح

وقد تلخّص ممّا ذكرنا : أنّ تقديم النصّ على الظاهر خارج عن مسألة الترجيح بحسب الدلالة ؛ إذ الظاهر لا يعارض النصّ حتّى يرجّح النصّ عليه. نعم ، النصّ الظنّي السند يعارض دليل سنده لدليل حجّية الظهور ، لكنّه حاكم على دليل اعتبار الظاهر.

انحصار الترجيح بالدلالة في تعارض الأظهر والظاهر

فينحصر الترجيح بحسب الدلالة في تعارض الظاهر والأظهر ؛ نظرا إلى احتمال خلاف الظاهر في كلّ منهما بملاحظة نفسه ، غاية الأمر ترجيح الأظهر.

ولا فرق في الظاهر والنصّ بين العامّ والخاصّ المطلقين إذا فرض عدم احتمال في الخاصّ يبقى معه ظهور العامّ ـ وإلاّ دخل (٥) في تعارض

__________________

(١) «إرادة» من (ص).

(٢) في (ظ) ونسخة بدل (ص) بدل «يعدّ» : «بعد».

(٣) راجع الصفحة ٢٢.

(٤) في (ظ) بدل «أولويّة» : «أدلّة تقديم».

(٥) كذا في (ظ) ، وفي (ر) بدل «وإلاّ دخل» : «ويدخل» ، وفي (ت) ، (ه) و (ص) بدلها : «لئلاّ يدخل».