درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۳۷: تعارض الدلیلین ۳۷

 

ترجيح التخصيص على النسخ

التشريع في استمراره باستمرار الشريعة ، على ظهور العامّ في العموم الأفراديّ ، ويعبّر عن ذلك بأنّ التخصيص أولى من النسخ ، من غير فرق بين أن يكون احتمال المنسوخيّة في العامّ أو في الخاصّ. والمعروف تعليل ذلك بشيوع التخصيص وندرة النسخ.

وقد وقع الخلاف في بعض الصور ، وتمام ذلك في بحث العامّ والخاصّ من مباحث الألفاظ.

وكيف كان ، فلا إشكال في أنّ احتمال التخصيص مشروط بعدم ورود الخاصّ بعد حضور وقت العمل بالعامّ ، كما أنّ احتمال النسخ مشروط بورود الناسخ بعد الحضور.

فالخاصّ الوارد بعد حضور وقت العمل بالعامّ يتعيّن فيه النسخ ، وأمّا ارتكاب كون الخاصّ كاشفا عن قرينة كانت مع العامّ واختفت فهو خلاف الأصل. والكلام في علاج المتعارضين من دون التزام وجود شيء زائد عليهما.

نعم ، لو كان هناك دليل على امتناع النسخ وجب المصير إلى التخصيص مع التزام اختفاء القرينة حين العمل ، أو جواز إرادة خلاف الظاهر من المخاطبين واقعا مع مخاطبتهم بالظاهر الموجبة لعملهم بظهوره ، وبعبارة اخرى : تكليفهم ظاهرا هو العمل بالعموم.

الإشكال في تخصيص العمومات المتقدّمة بالمخصّصات المتأخّرة

ومن هنا يقع الإشكال في تخصيص العمومات المتقدّمة في كلام النبيّ أو الوصيّ أو بعض الأئمّة عليهم‌السلام بالمخصّصات الواردة بعد ذلك بمدّة عن باقي الأئمّة عليهم‌السلام ؛ فإنّه لا بدّ أن يرتكب فيها النسخ ، أو كشف الخاصّ عن قرينة مع العامّ مختفية ، أو كون المخاطبين بالعامّ تكليفهم ظاهرا العمل بالعموم المراد به الخصوص واقعا.

أمّا النسخ ـ فبعد توجيه وقوعه بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإرادة كشف ما بيّنه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للوصيّ عليه‌السلام عن غاية الحكم الأوّل وابتداء الحكم الثاني ـ مدفوع : بأنّ غلبة هذا النحو (١) من التخصيصات يأبى عن حملها على ذلك ، مع أنّ الحمل على النسخ يوجب طرح ظهور كلا الخبرين في كون مضمونهما حكما مستمرّا من أوّل الشريعة إلى آخرها ، إلاّ أن يفرض المتقدّم ظاهرا في الاستمرار ، والمتأخّر غير ظاهر بالنسبة إلى ما قبل صدوره ، فحينئذ يوجب طرح ظهور المتقدّم لا المتأخّر ، كما لا يخفى (٢). وهذا لم (٣) يحصل في كثير من الموارد بل أكثرها.

وأمّا اختفاء المخصّصات ، فيبعّده بل يحيله ـ عادة ـ عموم البلوى بها من حيث العلم والعمل ، مع إمكان دعوى العلم بعدم علم أهل العصر المتقدّم وعملهم بها ، بل المعلوم جهلهم بها.

الأوجه في دفع الإشكال

فالأوجه هو الاحتمال الثالث ، فكما أنّ رفع مقتضى البراءة العقليّة ببيان التكليف كان على التدريج ـ كما يظهر من الأخبار والآثار ـ مع اشتراك الكلّ في الأحكام الواقعيّة ، فكذلك ورود التقييد والتخصيص للعمومات والمطلقات ، فيجوز أن يكون الحكم الظاهريّ للسابقين الترخيص في ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرّمات الذي يقتضيه العمل بالعمومات ، وإن كان المراد منها الخصوص الذي هو الحكم المشترك.

__________________

(١) في (ظ) زيادة : «وهو كون المخاطبين بالعامّ تكليفهم ظاهرا العمل بالعموم المراد به الخصوص واقعا».

(٢) لم ترد «فحينئذ ـ إلى ـ كما لا يخفى» في (ظ).

(٣) في غير (ص) بدل «لم» : «لا».

ودعوى : الفرق بين إخفاء (١) التكليف الفعليّ وإبقاء المكلّف على ما كان عليه من الفعل والترك بمقتضى البراءة العقليّة ، وبين إنشاء الرخصة له في فعل الحرام وترك الواجب ، ممنوعة.

غاية الأمر أنّ الأوّل من قبيل عدم البيان ، والثاني من قبيل بيان العدم ، ولا قبح فيه بعد فرض المصلحة ، مع أنّ بيان العدم قد يدّعى وجوده في الكلّ ، بمثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبة الغدير في حجّة الوداع :

«معاشر الناس ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويباعدكم عن النار إلاّ وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه» (٢).

بل يجوز أن يكون مضمون العموم والإطلاق هو الحكم الإلزاميّ وإخفاء (٣) القرينة المتضمّنة لنفي الإلزام ، فيكون التكليف حينئذ لمصلحة فيه لا في المكلّف به.

فالحاصل : أنّ المستفاد من التتبّع في الأخبار والظاهر من خلوّ العمومات والمطلقات عن القرينة ، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل الوصيّ عليه‌السلام مبيّنا لجميع ما أطلقه واطلق في كتاب الله ، وأودعه علم ذلك وغيره. وكذلك الوصيّ بالنسبة إلى من بعده من الأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين ، فبيّنوا ما رأوا فيه المصلحة ، وأخفوا ما رأوا المصلحة في إخفائه.

__________________

(١) في (ظ) و (ه) ونسخة بدل (ت) بدل «إخفاء» : «إمضاء».

(٢) الوسائل ١٢ : ٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث ٢.

(٣) في غير (ت) و (ر) : «اختفاء».