درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۳۸: تعارض الدلیلین ۳۸

 

ودعوى : الفرق بين إخفاء (١) التكليف الفعليّ وإبقاء المكلّف على ما كان عليه من الفعل والترك بمقتضى البراءة العقليّة ، وبين إنشاء الرخصة له في فعل الحرام وترك الواجب ، ممنوعة.

غاية الأمر أنّ الأوّل من قبيل عدم البيان ، والثاني من قبيل بيان العدم ، ولا قبح فيه بعد فرض المصلحة ، مع أنّ بيان العدم قد يدّعى وجوده في الكلّ ، بمثل قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبة الغدير في حجّة الوداع :

«معاشر الناس ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويباعدكم عن النار إلاّ وقد أمرتكم به ، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه» (٢).

بل يجوز أن يكون مضمون العموم والإطلاق هو الحكم الإلزاميّ وإخفاء (٣) القرينة المتضمّنة لنفي الإلزام ، فيكون التكليف حينئذ لمصلحة فيه لا في المكلّف به.

فالحاصل : أنّ المستفاد من التتبّع في الأخبار والظاهر من خلوّ العمومات والمطلقات عن القرينة ، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل الوصيّ عليه‌السلام مبيّنا لجميع ما أطلقه واطلق في كتاب الله ، وأودعه علم ذلك وغيره. وكذلك الوصيّ بالنسبة إلى من بعده من الأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين ، فبيّنوا ما رأوا فيه المصلحة ، وأخفوا ما رأوا المصلحة في إخفائه.

__________________

(١) في (ظ) و (ه) ونسخة بدل (ت) بدل «إخفاء» : «إمضاء».

(٢) الوسائل ١٢ : ٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب مقدّمات التجارة ، الحديث ٢.

(٣) في غير (ت) و (ر) : «اختفاء».

فإن قلت : اللازم من ذلك عدم جواز التمسّك بأصالة عدم التخصيص في العمومات ـ بناء على اختصاص الخطاب بالمشافهين أو فرض الخطاب في غير الكتاب ـ إذ لا يلزم من عدم المخصّص لها في الواقع إرادة العموم ؛ لأنّ المفروض حينئذ جواز تأخير المخصّص عن وقت العمل بالخطاب.

قلت : المستند في إثبات أصالة الحقيقة بأصالة عدم القرينة قبح الخطاب بالظاهر المجرّد وإرادة خلافه ، بضميمة أنّ الأصل الذي استقرّ عليه طريقة التخاطب هو أنّ المتكلّم لا يلقي الكلام إلاّ لأجل إرادة تفهيم معناه الحقيقيّ أو المجازيّ ، فإذا لم ينصب قرينة على إرادة تفهيم (١) المجاز تعيّن إرادة الحقيقة فعلا ، وحينئذ فإن اطّلعنا على التخصيص المتأخّر كان هذا كاشفا عن مخالفة المتكلّم لهذا الأصل لنكتة ، وأمّا إذا لم نطّلع عليه ونفيناه بالأصل فاللازم الحكم بإرادة تفهيم (٢) الظاهر فعلا (٣) من المخاطبين ، فيشترك الغائبون معهم.

ترجيح التقييد على التخصيص عند تعارض الإطلاق والعموم

ومنها : تعارض الإطلاق والعموم ، فيتعارض تقييد المطلق وتخصيص العامّ.

ولا إشكال في ترجيح التقييد ، على ما حقّقه سلطان العلماء (٤) :

__________________

(١) لم ترد «تفهيم» في (ظ).

(٢) شطب على «تفهيم» في (ت).

(٣) لم ترد «فعلا» في (ظ).

(٤) حقّقه سلطان العلماء ١ في حاشيته على المعالم في مباحث المطلق والمقيّد ، انظر معالم الاصول (الطبعة الحجريّة) الصفحة ١٥٥ ، الحاشية المبدوّة بقوله : الجمع بين الدليلين ... الخ.

من كونه حقيقة ؛ لأنّ الحكم بالإطلاق من حيث عدم البيان ، والعامّ بيان ، فعدم البيان للتقييد جزء من مقتضي الإطلاق ، والبيان للتخصيص مانع عن اقتضاء العامّ للعموم ، فإذا دفعنا المانع عن العموم بالأصل ، والمفروض وجود المقتضي له ، ثبت بيان التقييد وارتفع المقتضي للإطلاق ، فالمطلق دليل تعليقي والعامّ دليل تنجيزي ، والعمل بالتعليقيّ موقوف على طرح التنجيزيّ ؛ لتوقّف موضوعه على عدمه ، فلو كان طرح التنجيزيّ متوقّفا على العمل بالتعليقيّ ومسبّبا عنه لزم الدور ، بل هو يتوقّف على حجّة اخرى راجحة عليه (١).

وأمّا على القول بكونه مجازا ، فالمعروف في وجه تقديم التقييد كونه أغلب من التخصيص. وفيه تأمّل (٢).

تقديم التخصيص عند تعارض العموم مع غير الإطلاق

نعم ، إذا استفيد العموم الشموليّ من دليل الحكمة كانت الإفادة غير مستندة إلى الوضع ، كمذهب السلطان في العموم البدليّ (٣).

وممّا ذكرنا يظهر حال التقييد مع سائر المجازات.

ومنها : تعارض العموم مع غير الإطلاق من الظواهر. والظاهر المعروف تقديم التخصيص لغلبته وشيوعه (٤).

__________________

(١) لم ترد «والعمل ـ إلى ـ راجحة عليه» في (ظ).

(٢) في أوثق الوسائل : ٦١٥ ، وحاشية نسخة (خ) زيادة من المصنّف ، وهي كما يلي : «وجه التأمّل : أنّ الكلام في التقييد بالمنفصل ، ولا نسلّم كونه أغلب. نعم ، دلالة ألفاظ العموم أقوى من دلالة المطلق ولو قلنا إنّها بالوضع».

(٣) راجع الهامش (٤) في الصفحة السابقة.

(٤) في غير (ص) و (ظ) : «لغلبة شيوعه».