درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۴۷: تعارض الدلیلین ۴۷

 

المزكّي أو رجحان أحد المزكّيين على الآخر. ويلحق بذلك التباس اسم المزكّى بغيره من المجروحين ، وضعف ما يميّز المشترك به.

٤ ـ علوّ الإسناد

ومنها : علوّ الإسناد ؛ لأنّه كلّما قلّت الواسطة كان احتمال الكذب أقلّ. وقد يعارض (١) في بعض الموارد بندرة ذلك ، واستبعاد الإسناد لتباعد أزمنة الرواة ، فيكون مظنّة الإرسال. والحوالة على نظر المجتهد.

٥ ـ المسنديّة

ومنها : أن يرسل أحد الراويين فيحذف الواسطة ويسند الآخر روايته ؛ فإنّ المحذوف يحتمل أن يكون توثيق المرسل له معارضا بجرح جارح ، وهذا الاحتمال منفيّ في الآخر. وهذا إذا كان المرسل ممّن تقبل مراسيله ، وإلاّ فلا يعارض المسند رأسا. وظاهر الشيخ في العدّة تكافؤ المرسل المقبول والمسند (٢) ، ولم يعلم وجهه.

٦ ـ تعدّد الراوي

ومنها : أن يكون الراوي لإحدى الروايتين متعدّدا وراوي الاخرى واحدا ، أو يكون رواة إحداهما أكثر ؛ فإنّ المتعدّد يرجّح على الواحد والأكثر على الأقلّ ، كما هو واضح. وحكي عن بعض العامّة (٣) عدم الترجيح قياسا على الشهادة والفتوى. ولازم هذا القول عدم الترجيح بسائر المرجّحات أيضا ، وهو ضعيف.

٧ ـ أعلائيّة طريق التحمّل

ومنها : أن يكون طريق تحمّل أحد الراويين أعلى من طريق

__________________

(١) ذكره العلاّمة في نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٥.

(٢) العدّة ١ : ١٥٤.

(٣) حكاه عن الكرخي العلاّمة في نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٤ ، وحكاه عن بعض الحنفيّة الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢١٨ ، وانظر الإحكام للآمدي ٤ : ٢٥١.

تحمّل الآخر ، كأن يكون أحدهما بقراءته على الشيخ والآخر بقراءة الشيخ عليه ، وهكذا غيرهما من أنحاء التحمّل.

هذه نبذة من المرجّحات السنديّة التي توجب القوّة من حيث الصدور ، وعرفت أنّ معنى القوّة كون أحدهما أقرب إلى الواقع من حيث اشتماله على مزيّة غير موجودة في الآخر ، بحيث لو فرضنا العلم بكذب أحدهما ومخالفته للواقع كان احتمال مطابقة ذي المزيّة للواقع أرجح وأقوى من مطابقة الآخر ، وإلاّ فقد لا يوجب المرجّح الظنّ بكذب الخبر المرجوح (١) ؛ من جهة احتمال صدق كلا الخبرين ، فإنّ الخبرين المتعارضين لا يعلم غالبا كذب أحدهما ، وإنّما التجأنا إلى طرح أحدهما ، بناء على تنافي ظاهريهما وعدم إمكان الجمع بينهما لعدم الشاهد ، فيصيران في حكم ما لو وجب طرح أحدهما لكونه كاذبا فيؤخذ بما هو أقرب إلى الصدق من الآخر.

ما تخيّله بعضّ

والغرض من إطالة الكلام هنا أنّ بعضهم (٢) تخيّل : أنّ المرجّحات المذكورة في كلماتهم للخبر من حيث السند أو المتن ، بعضها يفيد الظنّ القويّ ، وبعضها يفيد الظنّ الضعيف ، وبعضها لا يفيد الظنّ أصلا ، فحكم بحجّيّة الأوّلين واستشكل في الثالث ؛ من حيث إنّ الأحوط الأخذ بما فيه المرجّح ، ومن إطلاق أدلّة التخيير ، وقوّى ذلك بناء على أنّه لا دليل على الترجيح بالامور التعبّدية في مقابل إطلاقات التخيير.

دفع التخيّل المذكور

وأنت خبير : بأنّ جميع المرجّحات المذكورة مفيدة للظنّ الشأنيّ

__________________

(١) في (ت) ، (ه) و (ظ) زيادة : «لكنّه».

(٢) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٩٨.

بالمعنى الذي ذكرنا ، وهو : أنّه لو فرض القطع بكذب أحد الخبرين كان احتمال كذب المرجوح أرجح من صدقه ، وإذا لم يفرض العلم بكذب أحد الخبرين فليس في المرجّحات المذكورة ما يوجب الظنّ بكذب الآخر (١) ، ولو فرض أنّ شيئا منها كان في نفسه موجبا للظنّ بكذب الخبر كان مسقطا للخبر عن درجة الحجّية ، ومخرجا للمسألة عن التعارض ، فيعدّ ذلك الشيء موهنا لا مرجّحا ؛ إذ فرق واضح عند التأمّل بين ما يوجب في نفسه مرجوحيّة الخبر ، وبين ما يوجب مرجوحيّته بملاحظة التعارض وفرض عدم الاجتماع.

[المرجّحات المتنيّة](٢)

وأمّا ما يرجع إلى المتن ، فهي امور :

١ ـ الفصاحة

منها : الفصاحة ، فيقدّم الفصيح على غيره ؛ لأنّ الركيك أبعد من كلام المعصوم عليه‌السلام ، إلاّ أن يكون منقولا بالمعنى.

٢ ـ الأفصحيّة

ومنها : الأفصحيّة ، ذكره جماعة (٣) خلافا لآخرين (٤). وفيه تأمّل ؛

__________________

(١) في (ر) بدل «الآخر» : «أحد الخبرين».

(٢) العنوان منّا.

(٣) مثل السيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٧٢ ، والمحقّق القمي في القوانين ٢ : ٢٨٥ ، والسيد المجاهد في المفاتيح : ٦٩٩.

(٤) مثل العلاّمة في مبادئ الوصول : ٢٣٦ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٧ ، وصاحب المعالم في المعالم : ٢٥٢ ، والفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط) : ٢٢٠ ، والشيخ الجرجاني في غاية البادئ (مخطوط) : ٢٨٧.

لعدم كون الفصيح بعيدا عن كلام (١) الإمام ، ولا الأفصح أقرب إليه في مقام بيان الأحكام الشرعيّة.

٣ ـ استقامة المتن

ومنها : اضطراب المتن ، كما في بعض روايات عمّار (٢)(٣).

ومرجع الترجيح بهذه إلى كون متن أحد الخبرين أقرب صدورا من متن الآخر.

وعلّل بعض المعاصرين (٤) الترجيح بمرجّحات المتن ـ بعد أن عدّ هذه منها ـ : بأنّ مرجع ذلك إلى الظنّ بالدلالة ، وهو ممّا لم يختلف فيه علماء الإسلام ، وليس مبنيّا على حجّيّة مطلق الظنّ المختلف فيه.

ثمّ ذكر في مرجّحات المتن النقل باللفظ ، والفصاحة ، والركاكة ، والمسموع من الشيخ بالنسبة إلى المقروء عليه ، والجزم بالسماع من المعصوم عليه‌السلام على غيره ، وكثيرا من أقسام مرجّحات الدلالة ، كالمنطوق والمفهوم والخصوص والعموم ونحو ذلك.

__________________

(١) في (ت) ، (ه) و (ر) زيادة : «المعصوم».

(٢) الظاهر أنّ المصنّف اشتبه عليه رواية أبان برواية عمّار ، وهي رواية اختبار الدم عند اشتباهه بالقرحة بخروجه من الجانب الأيمن فيكون حيضا أو بالعكس ، فرواه في الكافي بالأوّل وفي التهذيب بالثاني. الكافي ٣ : ٩٤ ، باب معرفة دم الحيض والعذرة والقرحة ، الحديث ٣. التهذيب ١ : ٣٨٥ ، باب الحيض والاستحاضة والنفاس ، الحديث ٨. وانظر الرعاية في علم الدراية : ١٤٧ ـ ١٤٨.

(٣) في (ظ) زيادة : «ومنها كون أحدهما منقولا باللفظ والآخر منقولا بالمعنى ، ويحتمل أن يكون المسموع من الإمام لفظا مغايرا لهذا اللفظ المنقول إليه» وفي (ص) كتب عليها : «زائد».

(٤) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٩٩ ـ ٧٠٤.

وأنت خبير : بأنّ مرجع الترجيح بالفصاحة والنقل باللفظ (١) إلى رجحان صدور أحد المتنين بالنسبة إلى الآخر ، فالدليل عليه هو الدليل على اعتبار رجحان الصدور ، وليس راجعا إلى الظنّ في الدلالة المتّفق عليه بين علماء الإسلام.

وأمّا مرجّحات الدلالة ، فهي من هذا الظنّ المتّفق عليه ، وقد عدّها من مرجّحات المتن جماعة كصاحب الزبدة (٢) وغيره (٣).

والأولى ما عرفت : من أنّ هذه من قبيل النصّ والظاهر ، والأظهر والظاهر (٤) ، ولا تعارض بينهما ، ولا ترجيح في الحقيقة ، بل هي من موارد الجمع المقبول ، فراجع.

[المرجّحات الجهتيّة](٥)

وأمّا الترجيح من حيث وجه الصدور :

التقيّة وغيرها من المصالح

فبأن يكون أحد الخبرين مقرونا بشيء يحتمل من أجله أن يكون

__________________

(١) لم ترد «والنقل باللفظ» في (ت) و (ه).

(٢) زبدة الاصول : ١٢٥ ـ ١٢٦.

(٣) مثل صاحب المعالم في المعالم : ٢٥٢ ـ ٢٥٣ ، والسيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٧٢ ، والفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢١٩.

(٤) «والظاهر» من (ص) و (ر).

(٥) العنوان منّا.