درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۴۸: تعارض الدلیلین ۴۸

 

وأنت خبير : بأنّ مرجع الترجيح بالفصاحة والنقل باللفظ (١) إلى رجحان صدور أحد المتنين بالنسبة إلى الآخر ، فالدليل عليه هو الدليل على اعتبار رجحان الصدور ، وليس راجعا إلى الظنّ في الدلالة المتّفق عليه بين علماء الإسلام.

وأمّا مرجّحات الدلالة ، فهي من هذا الظنّ المتّفق عليه ، وقد عدّها من مرجّحات المتن جماعة كصاحب الزبدة (٢) وغيره (٣).

والأولى ما عرفت : من أنّ هذه من قبيل النصّ والظاهر ، والأظهر والظاهر (٤) ، ولا تعارض بينهما ، ولا ترجيح في الحقيقة ، بل هي من موارد الجمع المقبول ، فراجع.

[المرجّحات الجهتيّة](٥)

وأمّا الترجيح من حيث وجه الصدور :

التقيّة وغيرها من المصالح

فبأن يكون أحد الخبرين مقرونا بشيء يحتمل من أجله أن يكون

__________________

(١) لم ترد «والنقل باللفظ» في (ت) و (ه).

(٢) زبدة الاصول : ١٢٥ ـ ١٢٦.

(٣) مثل صاحب المعالم في المعالم : ٢٥٢ ـ ٢٥٣ ، والسيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٧٢ ، والفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢١٩.

(٤) «والظاهر» من (ص) و (ر).

(٥) العنوان منّا.

الترجيح بمخالفة العامّة

الخبر صادرا على وجه المصلحة المقتضية لبيان خلاف حكم الله الواقعي : من تقيّة أو نحوها من المصالح. وهي وإن كانت غير محصورة في الواقع إلاّ أنّ الذي بأيدينا أمارة التقيّة ، وهي : مطابقة ظاهر الخبر لمذهب أهل الخلاف ، فيحتمل صدور الخبر تقيّة عنهم عليهم‌السلام احتمالا غير موجود في الخبر الآخر.

قال في العدّة : إذا كان رواة الخبرين متساويين في العدد عمل بأبعدهما من قول العامّة وترك العمل بما يوافقه (١) ، انتهى.

وقال المحقّق في المعارج ـ بعد نقل العبارة المتقدّمة عن الشيخ ـ :

والظاهر أنّ احتجاجه في ذلك برواية رويت عن الصادق عليه‌السلام (٢) ، وهو إثبات مسألة علميّة بخبر الواحد. ولا يخفى عليك ما فيه ، مع أنّه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة كالمفيد وغيره (٣).

فإن احتجّ بأنّ الأبعد لا يحتمل إلاّ الفتوى ، والموافق للعامّة يحتمل التقيّة ، فوجب الرجوع إلى ما لا يحتمل.

قلنا : لا نسلّم أنّه لا يحتمل إلاّ الفتوى ؛ لأنّه كما جاز الفتوى لمصلحة يراها الإمام عليه‌السلام ، كذلك يجوز الفتوى بما يحتمل التأويل لمصلحة يعلمها الإمام عليه‌السلام وإن كنّا لا نعلم ذلك.

فإن قال : إنّ ذلك يسدّ باب العمل بالحديث.

قلنا : إنّما نصير إلى ذلك على تقدير التعارض وحصول مانع يمنع

__________________

(١) العدّة ١ : ١٤٧.

(٢) لعلّ مقصوده مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة في الصفحة ٥٧.

(٣) انظر مبحث الظنّ ١ : ٢٤٠.

من العمل لا مطلقا ، فلا يلزم سدّ باب العمل (١). انتهى كلامه ، رفع مقامه.

الوجوه المحتملة في الترجيح بمخالفة العامّة

أقول : توضيح المرام في هذا المقام ، أنّ ترجيح أحد الخبرين بمخالفة العامّة يمكن أن يكون بوجوه :

الوجه الأوّل

الأوّل : مجرّد التعبّد ، كما هو ظاهر كثير من أخباره ، ويظهر من المحقّق استظهاره من الشيخ ٠.

الوجه الثاني

الثاني : كون الرشد في خلافهم ، كما صرّح به في غير واحد من الأخبار المتقدّمة (٢) ، ورواية عليّ بن أسباط :

«قال : قلت للرضا عليه‌السلام : يحدث الأمر ، لا أجد بدّا من معرفته ، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك.

فقال : ائت فقيه البلد واستفته في أمرك ، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه ، فإنّ الحقّ فيه» (٣).

وأصرح من ذلك كلّه خبر أبي إسحاق الأرجائيّ (٤) :

«قال : قال أبو عبد الله عليه‌السلام : أتدري لم امرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله (٥) العامّة؟

فقلت : لا أدري.

__________________

(١) المعارج : ١٥٦ ـ ١٥٧.

(٢) مثل مقبولة ابن حنظلة ومرفوعة زرارة ، المتقدّمتين في الصفحة ٥٧ و ٦٢.

(٣) الوسائل ١٨ : ٨٣ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٣.

(٤) كذا في النسخ ، وفي الوسائل : «الأرجانيّ».

(٥) في المصدر : «تقول».

فقال : إنّ عليّا صلوات الله عليه لم يكن يدين الله بشيء إلاّ خالف عليه العامّة (١) إرادة لإبطال أمره ، وكانوا يسألونه ـ صلوات الله عليه ـ عن الشيء الذي لا يعلمونه ، فإذا أفتاهم بشيء جعلوا له ضدّا من عندهم ليلبسوا على الناس» (٢).

الوجه الثالث

الثالث : حسن مجرّد المخالفة لهم ، فمرجع هذا المرجّح ليس الأقربيّة إلى الواقع ، بل هو نظير ترجيح دليل الحرمة على الوجوب ، ودليل الحكم الأسهل على غيره.

ويشهد لهذا الاحتمال بعض الروايات ، مثل قوله عليه‌السلام في مرسلة داود بن الحصين : «إنّ من وافقنا خالف عدوّنا ، ومن وافق عدوّنا في قول أو عمل فليس منّا ولا نحن منه» (٣)

ورواية الحسين بن خالد : «شيعتنا : المسلّمون لأمرنا ، الآخذون بقولنا ، المخالفون لأعدائنا ، فمن لم يكن كذلك فليس منّا» (٤) فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «خالفوهم ما استطعتم» (٥).

الوجه الرابع

الرابع : الحكم بصدور الموافق تقيّة. ويدلّ عليه قوله عليه‌السلام في رواية : «ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقيّة ، وما سمعته منّي

__________________

(١) في المصدر : «خالف عليه الامّة إلى غيره».

(٢) الوسائل ١٨ : ٨٣ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٤.

(٣) الوسائل ١٨ : ٨٥ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٣.

(٤) الوسائل ١٨ : ٨٣ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٥.

(٥) لم نعثر عليه بعينه. نعم ، ورد ما يقرب منه في كنز العمّال ٧ : ٥٣٢ ، الحديث ٢٠١١٤ ، و ١٥ : ٧٢٣ ، الحديث ٤٢٨٨٣.

لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه» (١) ، بناء على أنّ المحكيّ عنه عليه‌السلام مع عدالة الحاكي كالمسموع منه ، وأنّ الرواية مسوقة لحكم المتعارضين ، وأنّ القضيّة غالبيّة ؛ لكذب الدائميّة.

ضعف الوجه الأوّل

أمّا الوجه الأوّل ـ فمع بعده عن مقام ترجيح أحد الخبرين المبنيّ اعتبارهما على الكشف النوعيّ ـ ينافيه (٢) التعليل المذكور في الأخبار المستفيضة المتقدّمة (٣).

ضعف الوجه الثالث

ومنه يظهر ضعف الوجه الثالث ، مضافا إلى صريح رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «ما أنتم والله على شيء ممّا هم فيه ، ولا هم على شيء ممّا أنتم فيه ، فخالفوهم ؛ فإنّهم ليسوا من الحنيفيّة على شيء» (٤) فقد فرّع الأمر بمخالفتهم على مخالفة أحكامهم للواقع ، لا مجرّد حسن المخالفة.

تعيّن الوجه الثاني أو الرابع

فتعيّن الوجه الثاني ؛ لكثرة ما يدلّ عليه من الأخبار ، أو الوجه الرابع ؛ للخبر المذكور وذهاب المشهور.

الإشكال على الوجه الثاني

إلاّ أنّه يشكل الوجه الثاني : بأنّ التعليل المذكور في الأخبار بظاهره غير مستقيم ؛ لأنّ خلافهم ليس حكما واحدا حتّى يكون هو الحقّ ، وكون الحقّ والرشد فيه بمعنى وجوده في محتملاته لا ينفع في الكشف عن الحقّ. نعم ، ينفع في الأبعديّة عن الباطل لو علم أو احتمل

__________________

(١) الوسائل ١٥ : ٤٩٢ ، الباب ٣ من أبواب الخلع ، الحديث ٧.

(٢) في (ر) : «ينافي».

(٣) أي : «الأخبار العلاجيّة» ، المتقدّمة في الصفحة ٥٧ ـ ٦٧.

(٤) الوسائل ١٨ : ٨٥ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٢.