درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۰: تعارض الدلیلین ۵۰

 

غلبة الباطل على أحكامهم وكون الحقّ فيها نادرا ، لكنّه خلاف الوجدان. ورواية أبي بصير المتقدّمة (١) وإن تأكّد مضمونها بالحلف ، لكن لا بدّ من توجيهها ، فيرجع الأمر إلى التعبّد بعلّة الحكم ، وهو أبعد من التعبّد بنفس الحكم.

الإشكال على الوجه الرابع

والوجه الرابع : بأنّ دلالة الخبر المذكور عليه لا يخلو عن خفاء ؛ لاحتمال أن يكون المراد من شباهة أحد الخبرين بقول الناس كونه متفرّعا على قواعدهم الباطلة ، مثل : تجويز الخطأ على المعصومين من الأنبياء والأئمة عليهم‌السلام ـ عمدا أو سهوا ـ والجبر والتفويض ، ونحو ذلك. وقد اطلق الشباهة على هذا المعنى في بعض أخبار العرض على الكتاب والسنّة ، حيث قال : «فإن أشبههما فهو حقّ ، وإن لم يشبههما فهو باطل» (٢). وهذا الحمل أولى من حمل القضيّة على الغلبة لا الدوام بعد تسليم الغلبة.

توجيه الوجه الثاني

ويمكن دفع الإشكال في الوجه الثاني عن التعليل في الأخبار ، بوروده على الغالب من انحصار الفتوى في المسألة في الوجهين ؛ لأنّ الغالب أنّ الوجوه في المسألة إذا كثرت كانت العامّة مختلفين ، ومع اتّفاقهم لا يكون في المسألة وجوه متعدّدة.

ويمكن أيضا الالتزام بما ذكرنا سابقا (٣) : من غلبة الباطل في أقوالهم ، على ما صرّح به في رواية الأرجائيّ المتقدّمة (٤). وأصرح منها ما حكي

__________________

(١) تقدّمت في الصفحة السابقة.

(٢) الوسائل ١٨ : ٨٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ضمن الحديث ٤٨.

(٣) و (٤) راجع الصفحة ١٢١.

عن أبي حنيفة من قوله : «خالفت جعفرا في كلّ ما يقول ، إلاّ أنّي لا أدري أنّه يغمض عينيه في الركوع والسجود أو يفتحهما» (١). وحينئذ فيكون خلافهم أبعد من الباطل.

توجيه الوجه الرابع

ويمكن توجيه الوجه الرابع : بعدم انحصار دليله في الرواية المذكورة ، بل الوجه فيه هو ما تقرّر في باب التراجيح واستفيد من النصوص والفتاوى : من حصول الترجيح بكلّ مزيّة في أحد الخبرين يوجب كونه أقلّ أو أبعد احتمالا لمخالفة الواقع من الخبر الآخر ، ومعلوم أنّ الخبر المخالف لا يحتمل فيه التقيّة ، كما يحتمل في الموافق ، على ما تقدّم من المحقّق قدس‌سره (٢). فمراد المشهور من حمل الخبر الموافق على التقيّة ليس كون الموافقة أمارة على صدور الخبر تقيّة ، بل المراد أنّ الخبرين لمّا اشتركا في جميع الجهات المحتملة لخلاف الواقع ـ عدا احتمال الصدور تقيّة المختصّ بالخبر الموافق ـ تعيّن العمل بالمخالف وانحصر محمل الخبر الموافق المطروح في التقيّة.

وأمّا ما أورده المحقّق (٣) : من معارضة احتمال التقيّة باحتمال الفتوى على التأويل.

ففيه : أنّ الكلام فيما إذا اشترك الخبران في جميع الاحتمالات المتطرّقة في السند والمتن والدلالة ، فاحتمال الفتوى على التأويل مشترك.

كيف ، ولو فرض اختصاص الخبر المخالف باحتمال التأويل وعدم تطرّقه في الخبر الموافق ، كان اللازم ارتكاب التأويل في الخبر المخالف ؛ لما عرفت :

__________________

(١) حكاه المحدّث الجزائري في زهر الربيع : ٥٢٢.

(٢) راجع الصفحة ١٢٠.

(٣) راجع الصفحة ١٢٠.

من أنّ النصّ والظاهر لا يرجع فيهما إلى المرجّحات.

وأمّا ما أجاب به صاحب المعالم عن الإيراد : بأنّ احتمال التقيّة في كلامهم أقرب وأغلب (١).

ففيه ـ مع إشعاره بتسليم ما ذكره المحقّق ، من معارضة احتمال التقيّة في الموافق باحتمال التأويل ، مع ما عرفت ، من خروج ذلك عن محلّ الكلام ـ : منع أغلبيّة التقيّة في الأخبار من التأويل.

ومن هنا يظهر أنّ ما ذكرنا من الوجه في رجحان الخبر المخالف مختصّ بالمتباينين ، وأمّا في ما كان من قبيل العامّين من وجه ـ بأن كان لكلّ واحد منهما ظاهر يمكن الجمع بينهما بصرفه عن ظاهره دون الآخر ـ فيدور الأمر بين حمل الموافق منهما على التقيّة ، والحكم بتأويل أحدهما ليجتمع مع الآخر.

مثلا : إذا ورد الأمر بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه ، وورد : «كلّ شيء يطير لا بأس بخرئه وبوله» ، فدار الأمر بين حمل الثاني على التقيّة ، وبين الحكم بتخصيص أحدهما لا بعينه ، فلا وجه لترجيح التقيّة لكونها في كلام الأئمّة عليهم‌السلام أغلب من التخصيص.

فالعمدة في الترجيح بمخالفة العامّة ـ بناء على ما تقدّم (٢) ، من جريان هذا المرجّح وشبهه في هذا القسم من المتعارضين ـ : هو ما تقدّم (٣) ، من وجوب الترجيح بكلّ مزيّة في أحد المتعارضين ، وهذا

__________________

(١) المعالم : ٢٥٦.

(٢) راجع الصفحة ٢٧.

(٣) راجع الصفحة ٧٥.

موجود فيما نحن فيه ؛ لأنّ احتمال مخالفة الظاهر قائم في كلّ منهما ، والمخالف للعامّة مختصّ بمزيّة مفقودة في الآخر ، وهو عدم احتمال الصدور تقيّة (١).

تلخيص ما ذكرنا

فتلخّص ممّا ذكرنا : أنّ الترجيح بالمخالفة من أحد وجهين ـ على ما يظهر من الأخبار ـ :

أحدهما : كونه أبعد من الباطل وأقرب إلى الواقع ، فيكون مخالفة الجمهور نظير موافقة المشهور من المرجّحات المضمونيّة ، على ما يظهر من أكثر (٢) أخبار هذا الباب.

والثاني : من جهة كون المخالف ذا مزيّة ؛ لعدم (٣) احتمال التقيّة. ويدلّ عليه ما دلّ على الترجيح بشهرة الرواية معلّلا بأنّه لا ريب فيه ، بالتقريب المتقدّم سابقا (٤).

ولعلّ الثمرة بين هذين الوجهين تظهر لك في ما يأتي إن شاء الله تعالى (٥).

__________________

(١) لم ترد «تقيّة» في (ر) و (ه) ، وفي (ص) بدلها : «لأجل التقيّة» ، كما أنّه لم ترد عبارة «ومن هنا يظهر ـ إلى ـ تقيّة» في (ظ) ، وكتب عليها في (ت) و (ه) : «زائد».

(٢) لم ترد «أكثر» في (ظ).

(٣) في (ظ) بدل «لعدم» : «أبعديّة».

(٤) راجع الصفحة ٧٧.

(٥) انظر الصفحة ١٣٨.