درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۱: تعارض الدلیلین ۵۱

 

بقي في هذا المقام امور :

الأوّل

حمل موارد التقيّة على التورية

أنّ الخبر الصادر تقيّة ، يحتمل أن يراد به ظاهره فيكون من الكذب المجوّز لمصلحة ، ويحتمل أن يراد منه تأويل مختف على المخاطب فيكون من قبيل التورية ، وهذا أليق بالإمام عليه‌السلام ، بل هو اللائق ؛ إذا قلنا بحرمة الكذب مع التمكّن من التورية.

الثاني

ما أفاده المحدّث البحراني في منشأ التقيّة

أنّ بعض المحدّثين ـ كصاحب الحدائق ـ وإن لم يشترط في التقيّة موافقة الخبر لمذهب العامّة ؛ لأخبار تخيّلها دالّة على مدّعاه ، سليمة عمّا هو صريح في خلاف ما ادّعاه ، إلاّ أنّ الحمل على التقيّة في مقام الترجيح لا يكون إلاّ مع موافقة أحدهما ؛ إذ لا يعقل حمل أحدهما بالخصوص على التقيّة إذا (١) كانا مخالفين لهم.

فمراد المحدّث المذكور ليس الحمل على التقيّة مع عدم الموافقة في مقام الترجيح ـ كما أورده عليه بعض الأساطين (٢) في جملة المطاعن على

__________________

(١) في غير (ظ) بدل «إذا» : «وإن».

(٢) هو الوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة : ٣٥٥.

ما ذهب إليه من عدم اشتراط الموافقة في الحمل على التقيّة ـ بل المحدّث المذكور لمّا أثبت في المقدّمة الاولى من مقدّمات الحدائق خلوّ الأخبار عن الأخبار المكذوبة ـ لتنقيحها وتصحيحها في الأزمنة المتأخّرة ، بعد أن كانت مغشوشة مدسوسة ـ صحّ لقائل أن يقول : فما بال هذه الأخبار المتعارضة التي لا تكاد تجتمع؟! فبيّن في المقدّمة الثانية دفع هذا السؤال ، بأنّ معظم الاختلاف من جهة اختلاف كلمات الأئمة عليهم‌السلام مع المخاطبين ، وأنّ الاختلاف إنّما هو منهم عليهم‌السلام ، واستشهد على ذلك بأخبار زعمها دالّة على أنّ التقيّة كما تحصل ببيان ما يوافق العامّة ، كذلك تحصل بمجرّد إلقاء الخلاف بين الشيعة ؛ كيلا يعرفوا فيؤخذ برقابهم (١).

المناقشة فيما أفاده المحدّث البحراني

وهذا الكلام ضعيف ؛ لأنّ الغالب اندفاع الخوف بإظهار الموافقة مع الأعداء ، وأمّا الاندفاع بمجرّد رؤية (٢) الشيعة مختلفين مع اتّفاقهم على مخالفتهم ، فهو وإن أمكن حصوله أحيانا ، لكنّه نادر جدّا ، فلا يصار إليه في جلّ الأخبار المتخالفة (٣) ، مضافا إلى مخالفته لظاهر قوله عليه‌السلام في الرواية المتقدّمة (٤) : «ما سمعت منّي يشبه قول الناس ففيه التقيّة ، وما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه».

فالذي يقتضيه النظر ـ على تقدير القطع بصدور جميع الأخبار

__________________

(١) الحدائق ١ : ٥ ـ ٨.

(٢) في (ظ) بدل «رؤية» : «رواية».

(٣) في غير (ظ) : «المختلفة».

(٤) تقدّمت في الصفحة ١٢٣.

منشأ اختلاف الروايات

التي بأيدينا ، على ما توهّمه بعض الأخباريّين (١) ، أو الظنّ بصدور جميعها إلاّ قليلا في غاية القلّة ، كما يقتضيه الإنصاف ممّن اطّلع على كيفيّة تنقيح الأخبار وضبطها في الكتب ـ هو أن يقال : إنّ عمدة الاختلاف إنّما هي كثرة إرادة خلاف الظواهر في الأخبار إمّا بقرائن متّصلة اختفت علينا من جهة تقطيع الأخبار أو نقلها بالمعنى ، أو منفصلة مختفية من جهة كونها حاليّة (٢) معلومة للمخاطبين أو مقاليّة اختفت بالانطماس ، وإمّا بغير القرينة لمصلحة يراها الإمام عليه‌السلام من تقيّة ـ على ما اخترناه (٣) ، من أنّ التقيّة على وجه التورية ـ أو غير التقيّة من المصالح الأخر.

وإلى ما ذكرنا ينظر ما فعله الشيخ قدس‌سره ـ في الاستبصار (٤) ـ من إظهار إمكان الجمع بين متعارضات الأخبار ، بإخراج أحد المتعارضين أو كليهما عن ظاهره إلى معنى بعيد.

إرادة المحامل والتأويلات البعيدة في الأخبار

وربما يظهر من الأخبار محامل وتأويلات أبعد بمراتب ممّا ذكره

__________________

(١) انظر الفوائد المدنيّة : ٥٢ ـ ٥٣ ، هداية الأبرار : ١٧ ، والحدائق ١ : ١٧ وما بعدها.

(٢) في (ظ) بدل «حاليّة» : «خارجيّة».

(٣) راجع الصفحة ١٢٨.

(٤) فإنّه قدس‌سره جمع في الاستبصار بين الأخبار المتعارضة تبرّعا وإن لم يعتمد عليه حتّى يعمل به ، وغرضه بيان إمكان الجمع بين الأخبار المتعارضة ، حتّى لا يشنّع على الشيعة ، كما صرّح به في أوّل التهذيب : ٢ ـ ٤ ، انظر القوانين ٢ : ٢٧٨ ، والفصول : ٤٤١ ، ومناهج الأحكام : ٣١٣ ، وراجع الاستبصار ١ : ٣ ـ ٥.