درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۲: تعارض الدلیلین ۵۲

 

منشأ اختلاف الروايات

التي بأيدينا ، على ما توهّمه بعض الأخباريّين (١) ، أو الظنّ بصدور جميعها إلاّ قليلا في غاية القلّة ، كما يقتضيه الإنصاف ممّن اطّلع على كيفيّة تنقيح الأخبار وضبطها في الكتب ـ هو أن يقال : إنّ عمدة الاختلاف إنّما هي كثرة إرادة خلاف الظواهر في الأخبار إمّا بقرائن متّصلة اختفت علينا من جهة تقطيع الأخبار أو نقلها بالمعنى ، أو منفصلة مختفية من جهة كونها حاليّة (٢) معلومة للمخاطبين أو مقاليّة اختفت بالانطماس ، وإمّا بغير القرينة لمصلحة يراها الإمام عليه‌السلام من تقيّة ـ على ما اخترناه (٣) ، من أنّ التقيّة على وجه التورية ـ أو غير التقيّة من المصالح الأخر.

وإلى ما ذكرنا ينظر ما فعله الشيخ قدس‌سره ـ في الاستبصار (٤) ـ من إظهار إمكان الجمع بين متعارضات الأخبار ، بإخراج أحد المتعارضين أو كليهما عن ظاهره إلى معنى بعيد.

إرادة المحامل والتأويلات البعيدة في الأخبار

وربما يظهر من الأخبار محامل وتأويلات أبعد بمراتب ممّا ذكره

__________________

(١) انظر الفوائد المدنيّة : ٥٢ ـ ٥٣ ، هداية الأبرار : ١٧ ، والحدائق ١ : ١٧ وما بعدها.

(٢) في (ظ) بدل «حاليّة» : «خارجيّة».

(٣) راجع الصفحة ١٢٨.

(٤) فإنّه قدس‌سره جمع في الاستبصار بين الأخبار المتعارضة تبرّعا وإن لم يعتمد عليه حتّى يعمل به ، وغرضه بيان إمكان الجمع بين الأخبار المتعارضة ، حتّى لا يشنّع على الشيعة ، كما صرّح به في أوّل التهذيب : ٢ ـ ٤ ، انظر القوانين ٢ : ٢٧٨ ، والفصول : ٤٤١ ، ومناهج الأحكام : ٣١٣ ، وراجع الاستبصار ١ : ٣ ـ ٥.

الشيخ ، تشهد بأنّ ما ذكره الشيخ من المحامل غير بعيد عن مراد الإمام عليه‌السلام ، وإن بعدت عن ظاهر الكلام إن لم (١) يظهر فيه قرينة عليها :

فمنها : ما روي عن بعضهم صلوات الله عليهم ، لمّا سأله بعض أهل العراق وقال : «كم آية تقرأ في صلاة الزوال؟ فقال عليه‌السلام : ثمانون. ولم يعد السائل ، فقال عليه‌السلام : هذا يظنّ أنّه من أهل الإدراك. فقيل له عليه‌السلام : ما أردت بذلك وما هذه الآيات؟ فقال : أردت منها ما يقرأ في نافلة الزوال ، فإنّ الحمد والتوحيد لا يزيد على عشر آيات ، ونافلة الزوال ثمان ركعات» (٢).

ومنها : ما روى من : «أنّ الوتر واجب» ، فلمّا فرغ (٣) السائل واستفسر (٤) ، قال عليه‌السلام : «إنّما عنيت وجوبها على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» (٥).

ومنها : تفسير قولهم عليهم‌السلام : «لا يعيد الصلاة فقيه» بخصوص الشكّ بين الثلاث والأربع (٦).

ومثله تفسير وقت الفريضة في قولهم عليهم‌السلام : «لا تطوّع في وقت

__________________

(١) في (ه) ، (ت) و (ص) بدل «إن لم» : «إلاّ أن».

(٢) الوسائل ٤ : ٧٥٠ ، الباب ١٣ من أبواب القراءة ، الحديث ٣ ، والحديث منقول بالمعنى.

(٣) كذا في النسخ ، والمناسب : «فزع» كما في المصدر.

(٤) في (ر) و (ظ) بدل «واستفسر» : «واستقرّ».

(٥) الوسائل ٣ : ٤٩ ـ ٥٠ ، الباب ١٦ من أبواب أعداد الفرائض ، الحديث ٦ ، والحديث وارد في مطلق النوافل ، ولعلّ مراد المصنّف حديث آخر لم نقف عليه.

(٦) الوسائل ٥ : ٣٢٠ ، الباب ٩ من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الحديث ٣.

الفريضة» بزمان قول المؤذّن : «قد قامت الصلاة» (١) ، إلى غير ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبّع (٢).

ويؤيّد ما ذكرنا ـ من أنّ عمدة تنافي الأخبار ليس لأجل التقيّة ـ ما ورد مستفيضا : من عدم جواز ردّ الخبر وإن كان ممّا ينكر ظاهره (٣) ، حتّى إذا قال للنهار : إنّه ليل ، ولليل : إنّه نهار (٤) ، معلّلا ذلك بأنّه يمكن أن يكون له محمل لم يتفطّن السامع له فينكره فيكفر من حيث لا يشعر ، فلو كان عمدة التنافي من جهة صدور الأخبار المنافية بظاهرها لما في أيدينا من الأدلّة تقيّة ، لم يكن في إنكار كونها من الإمام عليه‌السلام مفسدة ، فضلا عن كفر الرادّ.

__________________

(١) الوسائل ٣ : ١٦٦ ، الباب ٣٥ من أبواب المواقيت ، الحديث ٩.

(٢) مثل ما رواه في الوسائل عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «قلت : عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال : نعم ، قلت : أعني سفليه ، فقال : ليس حيث تذهب ، إنّما هو إذاعة سرّه». الوسائل ١ : ٣٦٧ ، الباب ٨ من أبواب آداب الحمّام ، الحديث ٢. وما رواه في الوسائل أيضا عن الرضا عليه‌السلام : «إنّ الله يبغض البيت اللّحم واللّحم السمين ، قال : فقيل له : إنّا لنحبّ اللّحم ، وما تخلو بيوتنا منه ، فقال : ليس حيث تذهب ، إنّما البيت اللّحم الذي تؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة ، وأمّا اللّحم السمين فهو المتبختر المتكبّر المختال في مشيه» الوسائل ٨ : ٦٠١ ، الباب ١٥٢ من أحكام العشرة ، الحديث ١٧.

(٣) انظر البحار ٢ : ١٨٢ ، الباب ٢٦ ، باب أن حديثهم صعب مستصعب ، وأنّ كلامهم ذو وجوه كثيرة ، وفضل التدبّر في أخبارهم عليهم‌السلام والتسليم لهم ، والنهي عن ردّ أخبارهم.

(٤) انظر البحار ٢ : ١٨٧ ، الحديث ١٤.

الثالث

أنواع التقيّة

أنّ التقيّة قد تكون من فتوى العامّة ، وهو الظاهر من إطلاق موافقة العامّة في الأخبار.

واخرى : من حيث أخبارهم التي رووها ، وهو المصرّح به في بعض الأخبار (١). لكنّ الظاهر أنّ ذلك محمول على الغالب ، من كون الخبر مستندا للفتوى.

وثالثة : من حيث عملهم ، ويشير إليه قوله عليه‌السلام في المقبولة المتقدّمة (٢) : «ما هم إليه أميل قضاتهم وحكّامهم».

ورابعة : بكونه أشبه بقواعدهم واصول دينهم وفروعه ، كما يدلّ عليه الخبر المتقدّم (٣).

وعرفت سابقا (٤) قوّة احتمال إرادة (٥) التفرّع على قواعدهم الفاسدة ، ويخرج الخبر حينئذ عن الحجّية ولو مع عدم المعارض ، كما يدلّ عليه عموم الموصول.

__________________

(١) مثل الحديثين الرابع والسابع المتقدّمين في الصفحة ٦٤.

(٢) تقدّمت في الصفحة ٥٧.

(٣) تقدّم في الصفحة ١٢٣.

(٤) راجع الصفحة ١٢٤.

(٥) «إرادة» من (ت) و (ه).

الرابع

الملاك في مرجّحية التقيّة

أنّ ظاهر الأخبار كون المرجّح موافقة جميع الموجودين في زمان الصدور أو معظمهم ، على وجه يصدق الاستغراق العرفيّ. فلو وافق بعضهم بلا مخالفة (١) الباقين ، فالترجيح به مستند إلى الكلّية المستفادة من الأخبار ، من الترجيح بكلّ مزيّة.

وربما يستفاد من قول السائل في المقبولة (٢) : «قلت : يا سيّدي ، هما معا موافقان للعامّة» : أنّ المراد ب «ما وافق العامّة» أو «خالفهم» في المرجّح السابق يعمّ ما وافق (٣) البعض أو خالفه.

ويردّه : أنّ ظهور الفقرة الاولى في اعتبار الكلّ أقوى من ظهور هذه الفقرة في كفاية موافقة البعض ، فيحمل على إرادة (٤) صورة عدم وجود هذا المرجّح في شيء منهما وتساويهما من هذه الجهة ، لا صورة وجود هذا المرجّح في كليهما وتكافئهما من هذه الجهة.

لو كان كلّ واحد من الخبرين المتعارضين موافقا لبعض العامّة

وكيف كان ، فلو كان كلّ واحد موافقا لبعضهم مخالفا لآخرين منهم ، وجب الرجوع إلى ما يرجّح في النظر ملاحظة التقيّة منه.

وربما يستفاد ذلك من أشهريّة فتوى أحد البعضين في زمان

__________________

(١) في نسخة بدل (ص) : «معارضة» ، وفي (ظ) : «معارضة مخالفة».

(٢) أي : مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة في الصفحة ٥٧.

(٣) لم ترد «العامّة ـ إلى ـ ما وافق» في (ظ).

(٤) لم ترد «إرادة» في (ظ).

الصدور ، ويعلم ذلك بمراجعة أهل النقل والتأريخ ، فقد حكي عن تواريخهم :

أنّ عامّة أهل الكوفة كان عملهم على فتاوى (١) أبي حنيفة وسفيان الثوري ورجل آخر (٢) ، وأهل مكّة على فتاوى ابن جريح ، وأهل المدينة على فتاوى مالك ورجل آخر (٣) ، وأهل البصرة على فتاوى عثمان (٤) وسوادة (٥) ، وأهل الشام على فتاوى الأوزاعيّ والوليد ، وأهل مصر على فتاوى الليث بن سعد (٦) ، وأهل خراسان على فتاوى عبد الله بن المبارك الزهريّ (٧) ، وكان فيهم أهل الفتوى من غير هؤلاء ، كسعيد بن المسيّب ، وعكرمة ، وربيعة الرأي ، ومحمّد بن شهاب الزهريّ ، إلى أن استقرّ رأيهم بحصر المذاهب في الأربعة سنة خمس وستين وثلاثمائة (٨) ، كما حكي (٩).

__________________

(١) كذا في نسخة بدل (ت) ، وفي سائر النسخ : «فتوى».

(٢) هو (ابن أبي ليلى) كما في الخطط المقريزيّة والفوائد المدنيّة.

(٣) «رجل آخر» من (ت) ، وهو (ابن الماجشون) كما في الخطط والفوائد.

(٤) في الخطط والفوائد : «عثمان البتّي».

(٥) في الخطط والفوائد وشرح الوافية : «سوار» ، وهو الصحيح ، وهو «سوار بن عبد الله».

(٦) كذا في (ع) والخطط وشرح الوافية ، وفي سائر النسخ : «سعيد».

(٧) لم ترد «الزهري» في الخطط والفوائد وشرح الوافية.

(٨) كذا في النسخ ، وفي الفوائد والخطط : «ستمائة».

(٩) حكاه في شرح الوافية (مخطوط) : ٤٩١ ـ ٤٩٢ ، وأصله من كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ، المعروف ب «الخطط المقريزية» ٢ : ٣٣١ ـ ٣٤٤. ـ (طبعة بغداد) ، الذي حكى عنه في الفوائد المدنيّة : ٢٤ ـ ٢٨ ، وحكاه أيضا في القوانين ٢ : ٢٨٦ ، والفوائد الحائريّة : ٢٢٠ ـ ٢٢١ ، ومناهج الأحكام : ٣١٦ ، ومفاتيح الاصول : ٧١٧ ـ ٧١٨ ، وراجع بهذا الصدد رسالة تأريخ حصر الاجتهاد للعلاّمة الطهراني قدس‌سره.

وقد يستفاد ذلك من الأمارات الخاصّة ، مثل : قول الصادق عليه‌السلام ـ حين حكي له فتوى ابن أبي ليلى في بعض مسائل الوصيّة ـ : «أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه» (١).

وقد يستفاد من ملاحظة أخبارهم المرويّة في كتبهم ؛ ولذا انيط الحكم في بعض الروايات (٢) بموافقة أخبارهم.

الخامس

مرتبة هذا المرجّح

قد عرفت أنّ الرجحان بحسب الدلالة لا يزاحمه الرجحان بحسب الصدور ، وكذا لا يزاحمه هذا الرجحان ، أي : الرجحان من حيث جهة الصدور. فإذا كان الخبر الأقوى دلالة موافقا للعامّة قدّم على الأضعف المخالف ؛ لما عرفت : من أنّ الترجيح بقوّة الدلالة من الجمع المقبول الذي هو مقدّم على الطرح.

تقدّم المرجّح الصدوري على الجهتي

أمّا لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور بأن كان الأرجح صدورا موافقا للعامّة ، فالظاهر تقديمه على غيره وإن

__________________

(١) الوسائل ١٣ : ٤٧٨ ، الباب ٩٢ من أحكام الوصايا ، الحديث ٢.

(٢) مثل الحديثين الرابع والسابع المتقدّمين في الصفحة ٦٤.