درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۴: تعارض الدلیلین ۵۴

 

[المرجحات الخارجية](١)

على قسمين

أمّا المرجّحات الخارجية وقد أشرنا إلى أنّها على قسمين (٢) :

الأوّل : ما يكون غير معتبر بنفسه.

والثاني : ما يعتبر بنفسه ، بحيث لو لم يكن هناك دليل كان هو المرجع.

[القسم الأوّل](٣)

شهرة أحد الخبرين

فمن الأوّل : شهرة أحد الخبرين :

إمّا من حيث الرواية (٤) ، بأن اشتهر روايته بين الرواة ، بناء على كشفها عن شهرة العمل.

أو اشتهار (٥) الفتوى به ولو مع العلم بعدم استناد المفتين إليه.

كون الراوي أفقه

ومنه : كون الراوي له أفقه من راوي الآخر في جميع الطبقات أو

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) راجع الصفحة ٧٩.

(٣) العنوان منّا.

(٤) كذا في (ظ) ، وفي (ت) و (ص) : «روايته» ، وفي غيرها : «رواته».

(٥) لم ترد «بناء ـ إلى ـ أو اشتهار» في (ظ) ، وورد بدلها : «أو».

في بعضها ، بناء على أنّ الظاهر عمل الأفقه به (١).

مخالفة أحد الخبرين للعامّة

ومنه : مخالفة أحد الخبرين للعامّة ، بناء على ظاهر الأخبار المستفيضة (٢) الواردة في وجه الترجيح بها.

كلّ أمارة مستقلّة غير معتبرة

ومنه : كلّ أمارة مستقلّة غير معتبرة وافقت مضمون أحد الخبرين إذا كان عدم اعتبارها لعدم الدليل ، لا لوجود الدليل على العدم ، كالقياس (٣).

الدليل على هذا النحو من المرجّح

ثمّ الدليل على الترجيح بهذا النحو من المرجّح ما يستفاد من الأخبار : من الترجيح بكلّ ما يوجب أقربيّة أحدهما إلى الواقع وإن كان خارجا عن الخبرين ، بل يرجع (٤) هذا النوع (٥) إلى المرجّح الداخليّ ؛ فإنّ أحد الخبرين إذا طابق أمارة ظنّيّة فلازمه الظنّ بوجود خلل في الآخر ، إمّا من حيث الصدور أو من حيث جهة الصدور ، فيدخل الراجح فيما لا ريب فيه والمرجوح فيما فيه الريب. وقد عرفت أنّ المزيّة الداخليّة قد تكون موجبة لانتفاء احتمال في ذيها موجود في الآخر ، كقلّة الوسائط ، ومخالفة العامّة بناء (٦) على الوجه السابق (٧). وقد توجب

__________________

(١) لم ترد «بناء ـ إلى ـ الأفقه به» في (ظ).

(٢) مثل مقبولة ابن حنظلة ومرفوعة زرارة ورواية علي بن أسباط التي تقدّمت في الصفحة ٥٧ ، ٦٢ و ١٢١.

(٣) لم ترد «لا لوجود ـ إلى ـ كالقياس» في (ظ).

(٤) في (ظ) : «مرجع».

(٥) في (ص) زيادة : «من المرجّح».

(٦) لم ترد «بناء» في (ظ).

(٧) وهو الوجه الرابع المتقدّم في الصفحة ١٢٢.

بعد الاحتمال الموجود في ذيها بالنسبة إلى الاحتمال الموجود في الآخر ، كالأعدليّة والأوثقيّة (١). والمرجّح الخارجيّ من هذا القبيل ، غاية الأمر عدم العلم تفصيلا بالاحتمال القريب في أحدهما البعيد في الآخر ، بل ذو المزيّة داخل في الأوثق المنصوص عليه في الأخبار.

ومن هنا ، يمكن أن يستدلّ على المطلب : بالإجماع المدّعى في كلام جماعة (٢) على وجوب العمل بأقوى الدليلين ، بناء على عدم شموله للمقام ؛ من حيث إنّ الظاهر من الأقوى أقواهما في نفسه ومن حيث هو ، لا مجرّد كون مضمونه أقرب إلى الواقع لموافقة أمارة خارجيّة. فيقال في تقريب الاستدلال : إنّ الأمارة موجبة لظنّ خلل في المرجوح مفقود في الراجح ، فيكون الراجح أقوى احتمالا (٣) من حيث نفسه.

فإن قلت : إنّ المتيقّن من النصّ ومعاقد الإجماع اعتبار المزيّة الداخليّة القائمة بنفس الدليل ، وأمّا الحاصلة من الأمارة الخارجيّة التي دلّ الدليل على عدم العبرة بها من حيث دخولها في ما لا يعلم ، فلا اعتبار بكشفها عن الخلل في المرجوح ، ولا فرق بينها وبين القياس في عدم العبرة بها في مقام الترجيح كمقام الحجّية. هذا ، مع أنّه لا معنى لكشف الأمارة عن خلل في المرجوح ؛ لأنّ الخلل في الدليل من حيث

__________________

(١) في (ظ) بدل «الأوثقيّة» : «الأفقهيّة».

(٢) انظر نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥١ ، ومبادئ الوصول : ٢٣٢ ، وغاية البادئ (مخطوط) : ٢٧٦ ، وغاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢١٨ ، ومفاتيح الاصول : ٦٨٦.

(٣) في (ر) بدل «احتمالا» : «إجمالا».

إنّه دليل قصور في طريقيّته ، والمفروض تساويهما في جميع ما له دخل (١) في الطريقيّة ، ومجرّد الظنّ بمخالفة خبر للواقع لا يوجب خللا (٢) في ذلك ؛ لأنّ الطريقيّة ليست منوطة بمطابقة الواقع.

قلت : أمّا النصّ ، فلا ريب في عموم التعليل في قوله عليه‌السلام : «لأنّ المجمع عليه لا ريب فيه» (٣) ، وقوله عليه‌السلام : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤) لما نحن فيه ، بل قوله عليه‌السلام : «فإنّ الرشد فيما خالفهم» (٥) ، وكذا التعليل في رواية الأرجائيّ (٦) : «لم امرتم بالأخذ بخلاف ما عليه العامّة» وارد في المرجّح الخارجيّ ؛ لأنّ مخالفة العامّة نظير موافقة المشهور.

وأمّا معقد الإجماعات ، فالظاهر أنّ المراد (٧) منه : الأقرب إلى الواقع (٨) والأرجح مدلولا ، ولو بقرينة ما يظهر من العلماء ـ قديما وحديثا (٩) ـ من إناطة الترجيح بمجرّد الأقربيّة إلى الواقع ، كاستدلالهم

__________________

(١) في غير (ظ) بدل «دخل» : «مدخل».

(٢) في (ظ) زيادة : «في الواقع».

(٣) الوارد في مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة في الصفحة ٥٧.

(٤) الوسائل ١٨ : ١٢٢ و ١٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٨ و ٥٦.

(٥) الوسائل ١٨ : ٨٠ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ضمن الحديث ١٩.

(٦) المتقدّمة في الصفحة ١٢١.

(٧) لم ترد «أنّ المراد» في (ظ).

(٨) كتب في (ص) على «إلى الواقع» : «نسخة».

(٩) لم ترد «من العلماء قديما وحديثا» في (ظ).

على الترجيحات بمجرّد الأقربيّة إلى الواقع (١) ، مثل ما سيجيء (٢) من كلماتهم في الترجيح بالقياس ، ومثل الاستدلال على الترجيح بموافقة الأصل بأنّ الظنّ في الخبر الموافق له أقوى ، وعلى الترجيح بمخالفة الأصل بأنّ الغالب تعرّض الشارع لبيان ما يحتاج إلى البيان ، واستدلال المحقّق على ترجيح أحد المتعارضين بعمل أكثر الطائفة : «بأنّ الكثرة أمارة الرجحان والعمل بالراجح واجب» (٣) ، وغير ذلك ممّا يجده المتتبّع في كلماتهم.

مع أنّه يمكن دعوى حكم العقل بوجوب العمل بالأقرب إلى الواقع في ما كان حجّيّتهما من حيث الطريقيّة ، فتأمّل.

بقي في المقام أمران :

الترجيح بما ورد المنع عن العمل به كالقياس

أحدهما : أنّ الأمارة التي قام الدليل على المنع عنها بالخصوص ـ كالقياس ـ هل هي من المرجّحات أم لا؟ ظاهر المعظم العدم ، كما يظهر من طريقتهم في كتبهم الاستدلاليّة في الفقه.

وحكى المحقّق في المعارج عن بعض القول بكون القياس مرجّحا ، حيث (٤) قال :

ذهب ذاهب (٥) إلى أنّ الخبرين إذا تعارضا وكان القياس موافقا

__________________

(١) لم ترد «إلى الواقع» في (ظ) ، وشطب عليها في (ه) و (ت).

(٢) سيجيء بعد سطور.

(٣) المعارج : ١٥٥.

(٤) «حيث» من (ت) و (ه).

(٥) يمكن أن يريد به ابن الجنيد قدس‌سره ، فإنّ العمل بالقياس منسوب إليه.