درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۵: تعارض الدلیلین ۵۵

 

على الترجيحات بمجرّد الأقربيّة إلى الواقع (١) ، مثل ما سيجيء (٢) من كلماتهم في الترجيح بالقياس ، ومثل الاستدلال على الترجيح بموافقة الأصل بأنّ الظنّ في الخبر الموافق له أقوى ، وعلى الترجيح بمخالفة الأصل بأنّ الغالب تعرّض الشارع لبيان ما يحتاج إلى البيان ، واستدلال المحقّق على ترجيح أحد المتعارضين بعمل أكثر الطائفة : «بأنّ الكثرة أمارة الرجحان والعمل بالراجح واجب» (٣) ، وغير ذلك ممّا يجده المتتبّع في كلماتهم.

مع أنّه يمكن دعوى حكم العقل بوجوب العمل بالأقرب إلى الواقع في ما كان حجّيّتهما من حيث الطريقيّة ، فتأمّل.

بقي في المقام أمران :

الترجيح بما ورد المنع عن العمل به كالقياس

أحدهما : أنّ الأمارة التي قام الدليل على المنع عنها بالخصوص ـ كالقياس ـ هل هي من المرجّحات أم لا؟ ظاهر المعظم العدم ، كما يظهر من طريقتهم في كتبهم الاستدلاليّة في الفقه.

وحكى المحقّق في المعارج عن بعض القول بكون القياس مرجّحا ، حيث (٤) قال :

ذهب ذاهب (٥) إلى أنّ الخبرين إذا تعارضا وكان القياس موافقا

__________________

(١) لم ترد «إلى الواقع» في (ظ) ، وشطب عليها في (ه) و (ت).

(٢) سيجيء بعد سطور.

(٣) المعارج : ١٥٥.

(٤) «حيث» من (ت) و (ه).

(٥) يمكن أن يريد به ابن الجنيد قدس‌سره ، فإنّ العمل بالقياس منسوب إليه.

لما تضمّنه أحدهما ، كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر. ويمكن أن يحتجّ لذلك : بأنّ الحقّ في أحد الخبرين ، فلا يمكن العمل بهما ولا طرحهما ، فتعيّن العمل بأحدهما ، وإذا كان التقدير تقدير التعارض ، فلا بدّ في العمل بأحدهما من مرجّح ، والقياس يصلح أن يكون مرجّحا ؛ لحصول الظنّ به ، فتعيّن العمل بما طابقه.

لا يقال : أجمعنا على أنّ القياس مطروح في الشريعة.

لأنّا نقول : بمعنى أنّه ليس بدليل ، لا بمعنى أنّه لا يكون مرجّحا لأحد الخبرين ؛ وهذا لأنّ فائدة كونه مرجّحا كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح ، فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض ، فيكون العمل به ، لا بذلك القياس. وفيه نظر (١) ، انتهى.

ومال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين (٢).

والحقّ خلافه ؛ لأنّ رفع الخبر المرجوح بالقياس عمل به حقيقة ، كرفع العمل بالخبر السليم عن المعارض به (٣) ، والرجوع معه إلى الاصول. وأيّ فرق بين رفع القياس لوجوب العمل بالخبر السليم عن المعارض وجعله كالمعدوم حتّى يرجع إلى الأصل ، وبين رفعه لجواز العمل بالخبر المكافئ (٤) لخبر آخر وجعله كالمعدوم حتّى يتعيّن العمل بالخبر الآخر؟!

__________________

(١) المعارج : ١٨٦ ـ ١٨٧.

(٢) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٧١٦.

(٣) «به» من (ص).

(٤) في غير (ص) : «للتكافؤ».

ثمّ إنّ الممنوع هو الاعتناء بالقياس مطلقا ؛ ولذا استقرّت طريقة أصحابنا على هجره في باب الترجيح ، ولم نجد منهم موضعا يرجّحونه به ، ولو لا ذلك لوجب تدوين شروط القياس في الاصول ليرجّح به في الفروع.

مرتبة هذا المرجّح

الثاني : في مرتبة هذا المرجّح بالنسبة إلى المرجّحات السابقة.

فنقول : أمّا الرجحان من حيث الدلالة ، فقد عرفت غير مرّة تقدّمه على جميع المرجّحات. نعم ، لو بلغ المرجّح الخارجيّ إلى حيث يوهن الأرجح دلالة ، فهو يسقطه عن الحجّيّة ويخرج الفرض عن تعارض الدليلين ؛ ومن هنا قد (١) يقدّم العامّ المشهور أو (٢) المعتضد بالامور الخارجيّة الأخر على الخاصّ.

وأمّا الترجيح من حيث السند ، فظاهر مقبولة ابن حنظلة (٣) تقديمه على المرجّح الخارجيّ. لكنّ الظاهر أنّ الأمر بالعكس ؛ لأنّ رجحان السند إنّما اعتبر لتحصيل الأقرب إلى الواقع ، فإنّ الأعدل أقرب إلى الصدق من غيره ، بمعنى أنّه لو فرض العلم بكذب أحد الخبرين كان المظنون صدق الأعدل وكذب العادل ، فإذا فرض كون خبر العادل مظنون المطابقة للواقع وخبر الأعدل مظنون المخالفة ، فلا وجه لترجيحه بالأعدليّة. وكذا الكلام في الترجيح بمخالفة العامّة ، بناء على أنّ الوجه فيه هو نفي احتمال التقيّة.

__________________

(١) لم ترد «قد» في (ت).

(٢) في غير (ظ) بدل «أو» : «و».

(٣) المتقدّمة في الصفحة ٥٧.

[القسم الثاني](١)

ما يكون معتبرا في نفسه :

وأمّا القسم الثاني ، وهو ما كان مستقلا بالاعتبار ولو خلا المورد عن الخبرين (٢) ، فقد أشرنا إلى أنّه على قسمين :

الأوّل : ما يكون معاضدا لمضمون أحد الخبرين.

والثاني : ما لا يكون كذلك.

١ ـ الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة والدليل عليه

فمن القسم الأوّل : الكتاب والسنّة ، والترجيح بموافقتهما ممّا تواتر به الأخبار.

واستدلّ في المعارج على ذلك بوجهين :

أحدهما : أنّ الكتاب دليل مستقلّ ، فيكون دليلا على صدق مضمون الخبر.

ثانيهما : أنّ الخبر المنافي لا يعمل به لو انفرد عن المعارض ، فما ظنّك به معه؟! (٣) انتهى.

وغرضه الاستدلال على طرح الخبر المنافي ، سواء قلنا بحجّيّته مع معارضته لظاهر الكتاب أم قلنا بعدم حجّيّته ، فلا يتوهّم التنافي بين دليليه.

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) في (ت) : «الخبر».

(٣) المعارج : ١٥٤.

ثمّ إنّ توضيح الأمر في هذا المقام يحتاج إلى تفصيل أقسام ظاهر الكتاب و (١) السنّة المطابق لأحد المتعارضين. فنقول :

صور مخالفة ظاهر الكتاب

إنّ ظاهر الكتاب إذا لوحظ مع الخبر المخالف فلا يخلو عن صور ثلاث :

الصورة الأولى

الاولى : أن يكون على وجه لو خلا الخبر المخالف له عن معارضة المطابق له كان مقدّما عليه ؛ لكونه نصّا بالنسبة إليه ؛ لكونه اخصّ منه أو غير ذلك ـ بناء على تخصيص الكتاب بخبر الواحد ـ فالمانع عن التخصيص حينئذ ابتلاؤه (٢) بمعارضة مثله ، كما إذا تعارض «أكرم زيدا العالم» و «لا تكرم زيدا العالم» ، وكان في الكتاب عموم يدلّ على وجوب إكرام العلماء.

ومقتضى القاعدة في هذا المقام :

أن يلاحظ أوّلا جميع ما يمكن أن يرجّح به الخبر المخالف للكتاب على المطابق له ، فإن وجد شيء منها رجّح المخالف به وخصّص به الكتاب ؛ لأنّ المفروض انحصار المانع عن تخصيصه به في ابتلائه بمزاحمة الخبر المطابق للكتاب ؛ لأنّه مع الكتاب من قبيل النصّ والظاهر ، وقد عرفت أنّ العمل بالنصّ ليس من باب الترجيح ، بل من باب العمل بالدليل والقرينة في مقابلة أصالة الحقيقة ، حتّى لو قلنا بكونها من باب الظهور النوعيّ. فإذا عولجت المزاحمة بالترجيح صار المخالف كالسليم عن المعارض ، فيصرف ظاهر الكتاب بقرينة الخبر السليم.

__________________

(١) في غير (ظ) : «أو».

(٢) في غير (ظ) بدل «ابتلاؤه» : «ابتلاء الخاصّ».