درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۶: تعارض الدلیلین ۵۶

 

ثمّ إنّ توضيح الأمر في هذا المقام يحتاج إلى تفصيل أقسام ظاهر الكتاب و (١) السنّة المطابق لأحد المتعارضين. فنقول :

صور مخالفة ظاهر الكتاب

إنّ ظاهر الكتاب إذا لوحظ مع الخبر المخالف فلا يخلو عن صور ثلاث :

الصورة الأولى

الاولى : أن يكون على وجه لو خلا الخبر المخالف له عن معارضة المطابق له كان مقدّما عليه ؛ لكونه نصّا بالنسبة إليه ؛ لكونه اخصّ منه أو غير ذلك ـ بناء على تخصيص الكتاب بخبر الواحد ـ فالمانع عن التخصيص حينئذ ابتلاؤه (٢) بمعارضة مثله ، كما إذا تعارض «أكرم زيدا العالم» و «لا تكرم زيدا العالم» ، وكان في الكتاب عموم يدلّ على وجوب إكرام العلماء.

ومقتضى القاعدة في هذا المقام :

أن يلاحظ أوّلا جميع ما يمكن أن يرجّح به الخبر المخالف للكتاب على المطابق له ، فإن وجد شيء منها رجّح المخالف به وخصّص به الكتاب ؛ لأنّ المفروض انحصار المانع عن تخصيصه به في ابتلائه بمزاحمة الخبر المطابق للكتاب ؛ لأنّه مع الكتاب من قبيل النصّ والظاهر ، وقد عرفت أنّ العمل بالنصّ ليس من باب الترجيح ، بل من باب العمل بالدليل والقرينة في مقابلة أصالة الحقيقة ، حتّى لو قلنا بكونها من باب الظهور النوعيّ. فإذا عولجت المزاحمة بالترجيح صار المخالف كالسليم عن المعارض ، فيصرف ظاهر الكتاب بقرينة الخبر السليم.

__________________

(١) في غير (ظ) : «أو».

(٢) في غير (ظ) بدل «ابتلاؤه» : «ابتلاء الخاصّ».

ولو لم يكن هناك مرجّح :

فإن حكمنا في الخبرين المتكافئين بالتخيير ـ إمّا لأنّه الأصل في المتعارضين ، وإمّا لورود الأخبار بالتخيير ـ كان اللازم التخيير ، وأنّ له أن يأخذ بالمطابق وأن يأخذ بالمخالف ، فيخصّص به عموم الكتاب ؛ لما سيجيء : من أنّ موافقة أحد الخبرين للأصل لا يوجب رفع التخيير.

وإن قلنا بالتساقط أو التوقّف ، كان المرجع هو ظاهر الكتاب.

فتلخّص : أنّ الترجيح بظاهر الكتاب لا يتحقّق بمقتضى القاعدة (١) في شيء من فروض هذه الصورة.

الثانية : أن يكون على وجه لو خلا الخبر المخالف له عن معارضه لكان مطروحا ؛ لمخالفته الكتاب (٢) ، كما إذا تباين مضمونهما كلّيّة. كما لو كان ظاهر الكتاب في المثال المتقدّم وجوب إكرام زيد العالم.

واللازم في هذه الصورة خروج الخبر المخالف عن الحجّيّة رأسا ؛ لتواتر الأخبار ببطلان الخبر المخالف للكتاب والسنّة (٣) ، والمتيقّن من المخالفة هذا الفرد ، فيخرج الفرض عن تعارض الخبرين ، فلا مورد للترجيح في هذه الصورة أيضا ؛ لأنّ المراد به تقديم أحد الخبرين لمزيّة فيه ، لا لما يسقط الآخر عن الحجّيّة. وهذه الصورة عديمة المورد فيما بأيدينا من الأخبار المتعارضة.

الثالثة : أن يكون على وجه لو خلا المخالف له عن المعارض

__________________

(١) لم ترد «بمقتضى القاعدة» في (ظ).

(٢) لم ترد «لمخالفته الكتاب» في (ر).

(٣) لم ترد «والسنّة» في (ر) و (ص).

لخالف الكتاب ، لكن لا على وجه التباين الكلّيّ ، بل يمكن الجمع بينهما بصرف أحدهما عن ظاهره.

وحينئذ ، فإن قلنا بسقوط الخبر المخالف بهذه المخالفة عن الحجّيّة كان حكمها حكم الصورة الثانية ، وإلاّ كان الكتاب مع الخبر المطابق بمنزلة دليل واحد عارض الخبر المخالف ، والترجيح حينئذ بالتعاضد وقطعيّة سند الكتاب.

فالترجيح بموافقة الكتاب منحصر في هذه الصورة الأخيرة.

مرتبة هذا المرجّح

لكن هذا الترجيح مقدّم :

على الترجيح بالسند ؛ لأنّ أعدليّة الراوي في الخبر المخالف لا تقاوم قطعيّة سند الكتاب الموافق للخبر الآخر.

وعلى الترجيح بمخالفة العامّة ؛ لأنّ التقيّة غير متصوّرة في الكتاب الموافق للخبر الموافق للعامّة.

وعلى المرجّحات الخارجيّة ؛ لأنّ الأمارة المستقلّة المطابقة للخبر الغير المعتبرة لا تقاوم الكتاب المقطوع الاعتبار ، ولو فرضنا الأمارة المذكورة مسقطة لدلالة الخبر والكتاب المخالفين لها عن الحجّيّة ـ لأجل القول بتقييد اعتبار الظواهر بصورة عدم قيام الظنّ الشخصيّ على خلافها ـ خرج المورد عن فرض التعارض.

ولعلّ ما ذكرناه هو الداعي للشيخ قدس‌سره في تقديم الترجيح بهذا المرجّح على جميع ما سواه من المرجّحات ، وذكر الترجيح بها بعد فقد هذا المرجّح (١).

__________________

(١) راجع العدّة ١ : ١٤٤ ـ ١٤٦.