درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۷: تعارض الدلیلین ۵۷

 

لخالف الكتاب ، لكن لا على وجه التباين الكلّيّ ، بل يمكن الجمع بينهما بصرف أحدهما عن ظاهره.

وحينئذ ، فإن قلنا بسقوط الخبر المخالف بهذه المخالفة عن الحجّيّة كان حكمها حكم الصورة الثانية ، وإلاّ كان الكتاب مع الخبر المطابق بمنزلة دليل واحد عارض الخبر المخالف ، والترجيح حينئذ بالتعاضد وقطعيّة سند الكتاب.

فالترجيح بموافقة الكتاب منحصر في هذه الصورة الأخيرة.

مرتبة هذا المرجّح

لكن هذا الترجيح مقدّم :

على الترجيح بالسند ؛ لأنّ أعدليّة الراوي في الخبر المخالف لا تقاوم قطعيّة سند الكتاب الموافق للخبر الآخر.

وعلى الترجيح بمخالفة العامّة ؛ لأنّ التقيّة غير متصوّرة في الكتاب الموافق للخبر الموافق للعامّة.

وعلى المرجّحات الخارجيّة ؛ لأنّ الأمارة المستقلّة المطابقة للخبر الغير المعتبرة لا تقاوم الكتاب المقطوع الاعتبار ، ولو فرضنا الأمارة المذكورة مسقطة لدلالة الخبر والكتاب المخالفين لها عن الحجّيّة ـ لأجل القول بتقييد اعتبار الظواهر بصورة عدم قيام الظنّ الشخصيّ على خلافها ـ خرج المورد عن فرض التعارض.

ولعلّ ما ذكرناه هو الداعي للشيخ قدس‌سره في تقديم الترجيح بهذا المرجّح على جميع ما سواه من المرجّحات ، وذكر الترجيح بها بعد فقد هذا المرجّح (١).

__________________

(١) راجع العدّة ١ : ١٤٤ ـ ١٤٦.

الإشكال في مقبولة ابن حنظلة

إذا عرفت ما ذكرنا ، علمت توجّه (١) الإشكال فيما دلّ من الأخبار العلاجيّة على تقديم بعض المرجّحات على موافقة الكتاب كمقبولة ابن حنظلة (٢) ، بل وفي غيرها ممّا اطلق فيها الترجيح بموافقة الكتاب والسنّة ؛ من حيث إنّ الصورة الثالثة قليلة الوجود في الأخبار المتعارضة ، والصورة الثانية أقلّ وجودا بل معدومة ، فلا يتوهّم حمل تلك الأخبار عليها وإن لم تكن من باب ترجيح أحد المتعارضين ؛ لسقوط المخالف عن الحجّيّة مع قطع النظر عن التعارض.

ويمكن التزام دخول الصورة الاولى في الأخبار التي اطلق فيها الترجيح بموافقة الكتاب ، فلا يقلّ موردها ، وما ذكر ـ من ملاحظة الترجيح بين الخبرين المخصّص أحدهما لظاهر الكتاب ـ ممنوع. بل نقول : إنّ ظاهر تلك الأخبار ـ ولو بقرينة لزوم قلّة المورد بل عدمه ، وبقرينة بعض الروايات الدالّة على ردّ بعض ما ورد في الجبر والتفويض بمخالفة الكتاب (٣) مع كونه ظاهرا في نفيهما ـ : أنّ الخبر المعتضد بظاهر الكتاب لا يعارضه الخبر الآخر وإن كان لو انفرد رفع اليد به عن ظاهر الكتاب.

الجواب عن الإشكال

وأمّا الإشكال المختصّ بالمقبولة من حيث تقديم بعض المرجّحات على موافقة الكتاب ، فيندفع بما أشرنا إليه سابقا : من أنّ الترجيح بصفات الراوي فيها من حيث كونه حاكما ، وأوّل المرجّحات الخبريّة فيها هي شهرة إحدى الروايتين وشذوذ الاخرى ، ولا بعد في تقديمها على موافقة الكتاب.

__________________

(١) في (ص) : «توجيه».

(٢) المتقدّمة في الصفحة ٥٧.

(٣) البحار ٥ : ٢٠ و ٦٨ ، الحديث ٣ و ١.

ثمّ إنّ الدليل المستقلّ المعاضد لأحد الخبرين حكمه حكم الكتاب والسنّة في الصورة الاولى. وأمّا في الصورتين الأخيرتين ، فالخبر المخالف له يعارض مجموع الخبر الآخر والدليل المطابق له ، والترجيح هنا بالتعاضد لا غير.

٢ ـ بما لا يكون معاضدا لأحد الخبرين

وأمّا القسم الثاني ـ وهو ما لا يكون معاضدا لأحد الخبرين ـ فهي عدّة امور :

الترجيح بموافقة الأصل

منها : الأصل ، بناء على كون مضمونه حكم الله الظاهريّ ؛ إذ لو بني على إفادته الظنّ بحكم الله الواقعيّ كان من القسم الأوّل. ولا فرق في ذلك بين الاصول الثلاثة ، أعني : أصالة البراءة ، والاحتياط ، والاستصحاب.

الإشكال في الترجيح بالاصول

لكن يشكل الترجيح بها ؛ من حيث إنّ مورد الاصول ما إذا فقد الدليل الاجتهاديّ المطابق أو المخالف ، فلا مورد لها إلاّ بعد فرض تساقط المتعارضين لأجل التكافؤ ، والمفروض أنّ الأخبار المستفيضة دلّت على التخيير مع فقد المرجّح ، فلا مورد للأصل في تعارض الخبرين رأسا.

فلا بدّ من التزام عدم الترجيح بها ، وأنّ الفقهاء إنّما رجّحوا بأصالة البراءة والاستصحاب في الكتب الاستدلاليّة ؛ من حيث بنائهم على حصول الظنّ النوعيّ بمطابقة الأصل. وأمّا الاحتياط ، فلم يعلم منهم الاعتماد عليه ، لا في مقام الاستناد (١) ، ولا في مقام الترجيح (٢).

__________________

(١) في (ه) : «الإسناد».

(٢) في (ر) : «إلاّ في مقام الاستناد ، لا في مقام الترجيح».