درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۸: تعارض الدلیلین ۵۸

 

وقد يتوهّم (١) : أنّ ما دلّ على التخيير مع تكافؤ الخبرين معارض بما دلّ على الاصول الثلاثة ، فإنّ مورد الاستصحاب عدم اليقين بخلاف الحالة السابقة ، وهو حاصل مع تكافؤ الخبرين.

ويندفع : بأنّ ما دلّ على التخيير حاكم على الأصل ؛ فإنّ مؤدّاه جواز العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة والالتزام بارتفاعها ، فكما أنّ ما دلّ على تعيين (٢) العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة مع سلامته عن المعارض حاكم على دليل الاستصحاب ، كذلك يكون الدليل الدالّ على جواز العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة المكافئ لمعارضه حاكما عليه من غير فرق أصلا.

مع أنّه لو فرض التعارض المتوهّم كان أخبار التخيير أولى بالترجيح وإن كانت النسبة عموما من وجه ؛ لأنّها أقلّ موردا ، فتعيّن تخصيص أدلّة الاصول.

مع أنّ التخصيص في أخبار التخيير يوجب إخراج كثير من مواردها بل أكثرها ، بخلاف تخصيص أدلّة الاصول.

مع أنّ بعض أخبار التخيير ورد في مورد جريان الاصول ، مثل : مكاتبة عبد الله بن محمّد الواردة في فعل ركعتي الفجر في المحمل (٣) ، ومكاتبة الحميريّ ـ المرويّة في الاحتجاج ـ الواردة في التكبير في كلّ انتقال (٤)

__________________

(١) قاله السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٧٠٨.

(٢) في (ر) : «تعيّن».

(٣) الوسائل ١٨ : ٨٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٤٤.

(٤) في (ت) بدل «كلّ انتقال» : «الانتقال».

من حال إلى حال من أحوال الصلاة (١).

ما استدلّ به على تقديم الموافق للأصل ومناقشته

وممّا ذكرنا ظهر فساد ما ذكره بعض من عاصرناه (٢) في تقديم الموافق للأصل على المخالف ، من :

أنّ العمل بالموافق موجب للتخصيص فيما دلّ على حجّية المخالف ، والعمل بالمخالف مستلزم للتخصيص فيما دلّ على حجّية الموافق وتخصيص آخر فيما دلّ على حجّية الاصول.

وأنّ الخبر الموافق يفيد ظنّا بالحكم الواقعيّ ، والعمل بالأصل يفيد الظنّ بالحكم الظاهريّ ، فيتقوّى به الخبر الموافق.

وأنّ الخبرين يتعارضان ويتساقطان ، فيبقى الأصل سليما عن المعارض (٣).

تعارض المقرّر والناقل

بقي هنا شيء :

وهو أنّهم اختلفوا في تقديم المقرّر ـ وهو الموافق للأصل ـ على الناقل ، وهو الخبر المخالف له.

والأكثر من الاصوليّين ـ منهم العلاّمة (٤) قدس‌سره وغيره (٥) ـ على تقديم

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ٨٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٩ ، والاحتجاج ٢ : ٣٠٤.

(٢) هو السيّد المجاهد قدس‌سره.

(٣) مفاتيح الاصول : ٧٠٧.

(٤) انظر مبادئ الوصول : ٢٣٧ ، وتهذيب الوصول : ٩٩.

(٥) مثل الشيخ الجرجاني في غاية البادئ (مخطوط) : ٢٨٩ ، والسيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٧٣.

الناقل ، بل حكي هذا القول عن جمهور الاصوليّين (١) ، معلّلين ذلك : بأنّ الغالب فيما يصدر من الشارع الحكم بما يحتاج إلى البيان ولا يستغنى عنه بحكم العقل ، مع أنّ الذي عثرنا عليه في الكتب الاستدلاليّة الفرعيّة الترجيح بالاعتضاد بالأصل ، لكن لا يحضرني الآن مورد لما نحن فيه ـ أعني المتعارضين الموافق أحدهما للأصل ـ فلا بدّ من التتبّع.

تعارض المبيح والحاظر

ومن ذلك : كون أحد الخبرين متضمّنا للإباحة والآخر مفيدا للحظر ، فإنّ المشهور تقديم الحاظر على المبيح (٢) ، بل يظهر من المحكيّ عن بعضهم عدم الخلاف فيه (٣).

وذكروا في وجهه ما لا يبلغ حدّ الوجوب ، ككونه متيقّنا في العمل ؛ استنادا إلى قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما اجتمع الحلال والحرام إلاّ غلب الحرام الحلال» (٥).

وفيه : أنّه لو تمّ هذا الترجيح لزم الحكم بأصالة الحرمة عند دوران الأمر بينها وبين الإباحة ؛ لأنّ وجود الخبرين لا مدخل له في هذا الترجيح ؛ فإنّه من مرجّحات أحد الاحتمالين ، مع أنّ المشهور تقديم

__________________

(١) حكاه في غاية البادئ (مخطوط) : ٢٨٩ ، وانظر مفاتيح الاصول : ٧٠٥.

(٢) انظر مفاتيح الاصول : ٧٠٨.

(٣) حكاه في مفاتيح الاصول عن الفاضل الجواد ، راجع المفاتيح : ٧٠٨ ، وغاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢٢٠.

(٤) الوسائل ١٨ : ١٢٢ و ١٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٨ و ٥٦.

(٥) مستدرك الوسائل ١٣ : ٦٨ ، الحديث ٥.