درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵۹: تعارض الدلیلین ۵۹

 

الناقل ، بل حكي هذا القول عن جمهور الاصوليّين (١) ، معلّلين ذلك : بأنّ الغالب فيما يصدر من الشارع الحكم بما يحتاج إلى البيان ولا يستغنى عنه بحكم العقل ، مع أنّ الذي عثرنا عليه في الكتب الاستدلاليّة الفرعيّة الترجيح بالاعتضاد بالأصل ، لكن لا يحضرني الآن مورد لما نحن فيه ـ أعني المتعارضين الموافق أحدهما للأصل ـ فلا بدّ من التتبّع.

تعارض المبيح والحاظر

ومن ذلك : كون أحد الخبرين متضمّنا للإباحة والآخر مفيدا للحظر ، فإنّ المشهور تقديم الحاظر على المبيح (٢) ، بل يظهر من المحكيّ عن بعضهم عدم الخلاف فيه (٣).

وذكروا في وجهه ما لا يبلغ حدّ الوجوب ، ككونه متيقّنا في العمل ؛ استنادا إلى قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما اجتمع الحلال والحرام إلاّ غلب الحرام الحلال» (٥).

وفيه : أنّه لو تمّ هذا الترجيح لزم الحكم بأصالة الحرمة عند دوران الأمر بينها وبين الإباحة ؛ لأنّ وجود الخبرين لا مدخل له في هذا الترجيح ؛ فإنّه من مرجّحات أحد الاحتمالين ، مع أنّ المشهور تقديم

__________________

(١) حكاه في غاية البادئ (مخطوط) : ٢٨٩ ، وانظر مفاتيح الاصول : ٧٠٥.

(٢) انظر مفاتيح الاصول : ٧٠٨.

(٣) حكاه في مفاتيح الاصول عن الفاضل الجواد ، راجع المفاتيح : ٧٠٨ ، وغاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢٢٠.

(٤) الوسائل ١٨ : ١٢٢ و ١٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٨ و ٥٦.

(٥) مستدرك الوسائل ١٣ : ٦٨ ، الحديث ٥.

الإباحة على الحظرئ

ابتناء المسألة على أصالة الحظر أو الإباحة؟

فالمتّجه ما ذكره الشيخ قدس‌سره ـ في العدّة ـ : من ابتناء المسألة على أنّ الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر أو التوقّف ، حيث قال :

كلام الشيخ الطوسي في ذلك

وأمّا ترجيح أحد الخبرين على الآخر من حيث إنّ أحدهما يتضمّن الحظر والآخر الإباحة ، والأخذ بما يقتضي الحظر (١) أو الإباحة ، فلا يمكن الاعتماد عليه على ما نذهب إليه من الوقف ؛ لأنّ الحظر والإباحة جميعا عندنا مستفادان من الشرع ، ولا ترجيح بذلك ، وينبغي لنا التوقّف فيهما جميعا ، أو يكون الإنسان مخيّرا في العمل بأيّهما شاء (٢) ، انتهى.

الاستدلال لترجيح الحظر

ويمكن الاستدلال لترجيح الحظر بما دلّ (٣) على وجوب الأخذ بما فيه (٤) الاحتياط من الخبرين ، وإرجاع ما ذكروه من الدليل إلى ذلك ، فالاحتياط وإن لم يجب الأخذ به في الاحتمالين المجرّدين عن الخبر ، إلاّ أنّه يجب الترجيح به عند تعارض الخبرين (٥).

رجوعُ الى كلام الشيخ الطوسي

وما ذكره الشيخ قدس‌سره إنّما يتمّ لو أراد الترجيح بما يقتضيه الأصل ، لا بما ورد التعبّد به من الأخذ بالأحوط من (٦) الخبرين ، مع أنّ ما

__________________

(١) في المصدر زيادة : «أولى».

(٢) العدّة ١ : ١٥٢.

(٣) هي مرفوعة زرارة المتقدّمة في الصفحة ٦٢.

(٤) في (ص) بدل «بما فيه الاحتياط» : «بما وافق الاحتياط».

(٥) في (ظ) بدل «تعارض الخبرين» : «التعارض».

(٦) في غير (ظ) بدل «بالأحوط من» : «بأحوط».

ذكره من استفادة الحظر أو الإباحة من الشرع لا ينافي ترجيح أحد الخبرين بما دلّ من الشرع على أصالة الإباحة ، مثل قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (١) ، أو على أصالة الحظر ، مثل قوله : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢) ، مع أنّ مقتضى التوقّف على ما اختاره لمّا كان وجوب الكفّ عن الفعل ـ على ما صرّح به هو وغيره ـ كان اللازم بناء على التوقّف العمل بما يقتضيه الحظر. ولو ادّعي ورود أخبار التخيير على ما يقتضيه التوقّف من الحظر (٣) جرى مثله على القول بأصالة الحظر.

الإشكال في الفرق بين مسألتي الناقل والمقرّر ، والحاظر والمبيح

ثم إنّه يشكل الفرق بين ما ذكروه : من الخلاف في تقديم (٤) المقرّر على الناقل ـ وإن حكي عن الأكثر تقديم (٥) الناقل (٦) ـ وبين (٧) عدم ظهور الخلاف في تقديم (٨) الحاظر على المبيح.

ويمكن الفرق بتخصيص المسألة الاولى بدوران الأمر بين الوجوب

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٦٠.

(٢) الوسائل ١٨ : ١٢٢ و ١٢٧ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٣٨ و ٥٦.

(٣) لم ترد «من الحظر» في (ر) و (ص).

(٤) في غير (ظ) : «تقدّم».

(٥) في غير (ظ) : «تقدّم».

(٦) حكاه العلاّمة في النهاية (مخطوط) : ٤٥٨ ، والسيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٧٣.

(٧) «بين» من (ظ).

(٨) فى غير (ظ) : «تقدّم».

وعدمه ؛ ولذا رجّح بعضهم (١) الوجوب على الإباحة والندب لأجل الاحتياط.

لكن فيه ـ مع جريان بعض أدلّة تقديم الحظر فيها ـ : إطلاق كلامهم فيها ، وعدم ظهور التخصيص في كلماتهم ؛ ولذا اختار بعض سادة مشايخنا المعاصرين (٢) تقديم الإباحة على الحظر ؛ لرجوعه إلى تقديم المقرّر على الناقل الذي اختاره في تلك المسألة (٣).

هذا ، مع أنّ الاتفاق على تقديم الحظر غير ثابت وإن ادّعاه بعضهم (٤).

والتحقيق : هو ذهاب الأكثر ، وقد ذهبوا إلى تقديم الناقل أيضا في المسألة الاولى ، بل حكي عن بعضهم (٥) تفريع تقديم الحاظر على تقديم الناقل.

لو تعارض دليل الحرمة ودليل الوجوب

ومن جملة هذه المرجّحات : تقديم دليل الحرمة على دليل الوجوب عند تعارضهما. واستدلّوا عليه بما ذكرناه مفصّلا في مسائل أصالة البراءة عند تعارض احتمالي الوجوب والتحريم (٦).

__________________

(١) مثل شارح المختصر كما في المفاتيح : ٧١٠ ، وراجع شرح مختصر الاصول ٢ : ٤٨٩.

(٢) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٧٠٩.

(٣) نفس المصدر : ٧٠٨.

(٤) هو الفاضل الجواد قدس‌سره ، كما تقدّم في الصفحة ١٥٤.

(٥) حكاه السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٧٠٩.

(٦) راجع مبحث البراءة ٢ : ١٨٥ ـ ١٨٦.