درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۶۰: تعارض الدلیلین ۶۰

 

وعدمه ؛ ولذا رجّح بعضهم (١) الوجوب على الإباحة والندب لأجل الاحتياط.

لكن فيه ـ مع جريان بعض أدلّة تقديم الحظر فيها ـ : إطلاق كلامهم فيها ، وعدم ظهور التخصيص في كلماتهم ؛ ولذا اختار بعض سادة مشايخنا المعاصرين (٢) تقديم الإباحة على الحظر ؛ لرجوعه إلى تقديم المقرّر على الناقل الذي اختاره في تلك المسألة (٣).

هذا ، مع أنّ الاتفاق على تقديم الحظر غير ثابت وإن ادّعاه بعضهم (٤).

والتحقيق : هو ذهاب الأكثر ، وقد ذهبوا إلى تقديم الناقل أيضا في المسألة الاولى ، بل حكي عن بعضهم (٥) تفريع تقديم الحاظر على تقديم الناقل.

لو تعارض دليل الحرمة ودليل الوجوب

ومن جملة هذه المرجّحات : تقديم دليل الحرمة على دليل الوجوب عند تعارضهما. واستدلّوا عليه بما ذكرناه مفصّلا في مسائل أصالة البراءة عند تعارض احتمالي الوجوب والتحريم (٦).

__________________

(١) مثل شارح المختصر كما في المفاتيح : ٧١٠ ، وراجع شرح مختصر الاصول ٢ : ٤٨٩.

(٢) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٧٠٩.

(٣) نفس المصدر : ٧٠٨.

(٤) هو الفاضل الجواد قدس‌سره ، كما تقدّم في الصفحة ١٥٤.

(٥) حكاه السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٧٠٩.

(٦) راجع مبحث البراءة ٢ : ١٨٥ ـ ١٨٦.

الحقّ هو التخيير في هذا المورد

والحقّ هنا : التخيير ، وإن لم نقل به في الاحتمالين ؛ لأنّ المستفاد من الروايات الواردة في تعارض الأخبار على وجه لا يرتاب فيه هو لزوم التخيير مع تكافؤ الخبرين وتساويهما من جميع الوجوه التي لها مدخل في رجحان أحد الخبرين ، خصوصا مع عدم التمكّن من الرجوع إلى الإمام عليه‌السلام الذي يحمل عليه أخبار التوقّف والإرجاء ، بل لو بنينا على طرح أخبار التخيير في هذا المقام أيضا بعد الترجيح بموافقة الأصل لم يبق لها مورد يصلح لحمل الأخبار الكثيرة الدالّة على التخيير عليه ، كما لا يخفى على المتأمّل الدقيق.

فالمعتمد : وجوب الحكم بالتخيير إذا تساوى الخبران من حيث القوّة ولم يرجح أحدهما بما يوجب أقربيّته إلى الواقع ، ولا يلتفت إلى المرجّحات (١) الثلاث الأخيرة الراجعة إلى ترجيح مضمون أحد الخبرين مع قطع النظر عن كونه مدلولا له ؛ لحكومة أخبار التخيير على جميعها ، وإن قلنا بها في تكافؤ الاحتمالين.

تعارض غير الخبرين من الأدلّة الظنّية

نعم ، يجب الرجوع إليها في تعارض غير الخبرين (٢) من الأدلّة الظنّيّة إذا قلنا بحجّيّتها من حيث الطريقيّة المستلزمة للتوقّف عند التعارض ، لكن ليس هذا من الترجيح في شيء.

نعم ، لو قيل (٣) بالتخيير في تعارضها من باب تنقيح المناط كان

__________________

(١) في (ه) بدل «ولا يلتفت إلى المرجّحات» : «ولا مصبّ للمرجّحات».

(٢) في (ظ) و (ه) ونسخة بدل (ص) بدل «غير الخبرين» : «غير الحديث» ، وفي نسخة بدل (ه) كما أثبتناه.

(٣) في (ر) ونسخة بدل (ص) : «قلنا».

حكمها (١) حكم الخبرين. لكن فيه تأمّل ، كما في إجراء التراجيح المتقدّمة في تعارض الأخبار ، وإن كان الظاهر من بعضهم (٢) عدم التأمّل في جريان جميع أحكام الخبرين من الترجيح فيها بأقسام المرجّحات مستظهرا عدم الخلاف في ذلك.

فإن ثبت الإجماع على ذلك أو أجرينا ذلك في الإجماع المنقول من حيث إنّه خبر فيشمله حكمه فهو (٣) ، وإلاّ ففيه تأمّل.

لكنّ التكلّم في ذلك قليل الفائدة ؛ لأنّ الطرق الظنّيّة غير الخبر ليس فيها ما يصحّ للفقيه دعوى حجّيّته من حيث إنّه ظنّ مخصوص ، سوى الإجماع المنقول بخبر الواحد ، فإن قيل بحجّيّتها فإنّما هي من باب مطلق الظنّ ، ولا ريب أنّ المرجع (٤) في تعارض الأمارات المعتبرة على هذا الوجه إلى (٥) تساقط المتعارضين إن ارتفع الظنّ من كليهما ، أو سقوط أحدهما عن الحجّيّة وبقاء الآخر بلا معارض إن ارتفع الظنّ عنه.

وأمّا الإجماع المنقول ، فالترجيح بحسب الدلالة من حيث الظهور أو النصوصيّة جار فيه لا محالة ، وأمّا الترجيح من حيث الصدور أو جهة الصدور (٦) ، فالظاهر أنّه كذلك ـ وإن قلنا بخروجه عن الخبر عرفا ،

__________________

(١) في (ه) : «حكمهما».

(٢) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٧١٩.

(٣) لم ترد «فهو» في (ظ).

(٤) في (ص) بدل «المرجع» : «الوجه».

(٥) لم ترد «إلى» في (ص) و (ظ).

(٦) لم ترد «أو جهة الصدور» في (ص).

فلا يشمله أخبار علاج تعارض الأخبار وإن شمله لفظ «النبأ» في آية النبأ ـ لعموم التعليل المستفاد من قوله عليه‌السلام : «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» (١) ، وقوله : «لأنّ الرشد في خلافهم» (٢) ؛ فإنّ خصوص المورد لا يخصّصه.

ومن هنا يصحّ إجراء جميع التراجيح المقرّرة في الخبرين في الإجماعين المنقولين ، بل غيرهما من الأمارات التي يفرض حجّيّتها من باب الظنّ الخاصّ.

وممّا ذكرنا يظهر حال الخبر (٣) مع الإجماع المنقول أو غيره من الظنون الخاصّة لو وجد.

والحمد لله على ما تيسّر لنا من تحرير ما استفدناه بالفهم القاصر من الأخبار وكلمات علمائنا الأبرار في باب التراجيح. رجّح الله ما نرجو التوفيق له من الحسنات على ما مضى من السيّئات ، بجاه محمّد وآله سادة السادات ، عليهم أفضل الصلوات وأكمل التحيّات ، وعلى أعدائهم أشدّ اللعنات (٤) وأسوأ العقوبات ، آمين آمين آمين ، يا ربّ العالمين.

__________________

(١) هذه الفقرة وردت ضمن مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة في الصفحة ٥٧.

(٢) الوسائل ١٨ : ٨٠ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ضمن الحديث ١٩.

(٣) في غير (ظ) بدل «حال الخبر» : «الحال».

(٤) في غير (ظ) بدل «اللعنات» : «العتاب».