درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۲: الهیات بمعنی الاخص

 

قال المحقق الطوسي :

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا بعد : حمد واجب الوجود على نعمائه والصلاة على سيد أنبيائه محمّد المصطفى وعليّ أكرم أمنائه فإنّي مجيب إلى ما سئلت من تحرير مسائل الكلام وترتيبها على أبلغ نظام مشيراً إلى غرر فوائد الاعتقاد ونكت مسائل الاجتهاد مما قادني الدليل إليه وقوى اعتقادي عليه ، وسمّيته بتجريد الاعتقاد ، والله أسأل العصمة والسداد وأن يجعله ذخراً ليوم المعاد ، ورتبته على مقاصد (١) : ...

* * *

المقصد الثالث

في : إثبات الصانع (٢) تعالى وصفاته وآثاره

وفيه فصول :

الأوّل :

في وجوده تعالى

الموجود إن كان واجباً وإلّا استلزمه ، لاستحالة الدور والتسلسل.

__________________

(١) الخطبة مأخوذة من صدر الكتاب.

(٢) إنّ الصانع تبارك وتعالى هو موضوع علم الكلام ، وشأن العلم هو البحث عن عوارض الموضوع المسلّم وجوده ، وعلى هذا يخرج إثبات الصانع تعالى عن مسائل علم الكلام ، بل إثباته على عاتق الفن الأعلى في الفلسفة حيث يبحث عن الموجود بما هو هو ، ويصل في تقسيمه وبرهنته إلى الواجب والممكن.

نعم البحث عن صفاته ـ بعد ثبوت وجوده ـ وأفعاله ، يعدُّ من مسائله ، ويندرج في قوله : «وأفعاله» البحث عن النبوة العامة والخاصة ، والإمامة ، والمعاد ، وما فيها من مباحث لها صلة بأفعاله سبحانه.

أقول : يريد إثبات واجب الوجود تعالى وبيان صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز وبيان أفعاله وآثاره ، وابتدأ بإثبات وجوده ، لأنّه الأصل في ذلك كلّه ، والدليل على وجوده أن نقول : هنا موجود بالضرورة ، فإن كان واجباً فهو المطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة ، فذلك المؤثر إن كان واجباً فالمطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود ، فإن كان واجباً فالمطلوب وإن كان ممكناً تسلسل أو دار وقد تقدّم بطلانهما. وهذا برهان قاطع أشير إليه في الكتاب العزيز بقوله : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١) وهو استدلال لمّي (٢).

__________________

(١) فصّلت : ٥٣.

(٢) الاستدلال اللمّي هو الاستدلال بالعلّة على المعلول ، والإنِّي هو العكس ، فهذا النوع من الاستدلال الوارد في الكتاب ليس منهما ، لأنّ الموضوع فيه هو الوجود المطلق من دون تقييد بالوجوب والإمكان.

نعم الاستدلال بوجوب وجوده على صفاته كما سيأتي من الماتن استدلال لمّي ، بل الاستدلال المذكور هو برهان الصديقين ، وهو وإن قرر بوجوه مختلفة (١) ولكن المذكور أيضاً أحدها ، وقد ذكره الشيخ في الإشارات بالنحو التالي : «كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره فإمّا أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه أو لا يكون. فإن وجب فهو الحق بذاته ، الواجب وجوده من ذاته وهو القيّوم ، وإن لم يجب لم يجز أن يقال : إنّه ممتنع بذاته بعد ما فرض موجوداً ، بلى إن قرن باعتبار ذاته شرط ، مثل شرط عدم علته صار ممتنعاً ، أو مثل شرط وجود علته صار واجباً ، وإن لم يقرن بها شرط لا حصول علّة ولا عدمها ، بقي له في ذاته الأمر الثالث وهو الإمكان. فيكون باعتبار ذاته ، الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع. فكل موجود إمّا واجب الوجود بذاته أو ممكن الوجود بحسب ذاته» (٢).

__________________

(١) الأسفار : ٦ / ١٤ تعليقة الحكيم السبزواري والعلّامة الطباطبائي ـ قدس‌سرهما.

(٢) شرح الإشارات للمحقق الطوسي قسم المتن : ٣ / ١٨.