درس شرح تجرید الاعتقاد (کشف المراد)

جلسه ۴: معنای صحیح "انما یتمشی بالطریقه الاولی" و آغاز مبحث قدرت

 

والمتكلمون سلكوا طريقاً آخر فقالوا : العالم حادث فلا بدّ له من محدث ، فلو كان محدثاً تسلسل أو دار وإن كان قديماً ثبت المطلوب لأنّ القدم يستلزم الوجوب ، وهذه الطريقة إنّما تتمشى بالطريقة الأولى فلهذا اختارها المصنّف رحمه‌الله على هذه.

__________________

وقال ـ بعد بحوث مفصّلة حول البرهان المذكور ـ : «تأمّل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأوّل ووحدانيته وبراءته من الصمات إلى تأمّل لغير نفس الوجود ، ولم يحتج إلى اعتبار مِنْ خلقه وفعله وإن كان ذلك دليلاً عليه لكن هذا الباب أوثق وأشرف ، أي إذا اعتبرنا حال الوجود فشهد به الوجود من حيث هو وجود وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود ، وإلى مثل هذا أُشير في الكتاب الإلهي : ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصّلت : ٥٣).

أقول : إنّ هذا حكم لقوم ثمّ يقول : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصّلت : ٣).

أقول : إنّ هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه» (١).

نعم هذا مسلكهم ، وأمّا مسلك المتكلّمين فهم يستدلّون بحدوث العالم على وجود المحدِث ، كما أنّ الباحثين عن الطبيعة يستدلّون بالحركة فيها على وجود المحرِّك ، وقد أشار الحكيم السبزواري إلى الوجوه الثلاثة ، قال :

«إذا الوجود كان واجباً فهو

ومع الإمكان قد استلزمه

ثمّ الطبيعي طريقَ الحركة

يأخذ للحق سبيلاً سلكه

من في حدوث العالم قد انتهج

فإنّه عن منهج الصدق خرج

[وأمّا ضعف الوجه الثالث] لأنّ مناط الحاجة إلى العلّة هو الإمكان فقط لا الحدوث ، ولا الإمكان مع الحدوث» (٢).

__________________

(١) شرح الإشارات للمحقق الطوسي قسم المتن : ٣ / ٦٦.

(٢) الحكيم السبزواري : شرح المنظومة / ١٤١ ـ ١٤٣.

الفصل الثاني :

في صفاته تعالى

وفيه مسائل :

المسألة الأُولى : في أنّه تعالى قادر (١)

قال : الثاني في صفاته. وجودُ العالم بعد عدمه يَنفي الإيجابَ.

أقول : لما فرغ من البحث عن الدلالة على وجود الصانع تعالى شرع في الاستدلال على صفاته تعالى ، وابتدأ بالقدرة.

__________________

(١) المقصود من القدرة هنا هو كونه فاعلاً مختاراً ، لا فاعلاً موجباً كالنار بالنسبة إلى الحرارة ، والذي يُركَّز عليه هنا في تفسير القدرة هو كونه فاعلاً بالاختيار. وأمّا الاستدلال على القدرة بإتقان فعله سبحانه فهو يهدف إلى كونه فاعلاً عن علمٍ وحكمة ، فلا يشتبه الغرضان في البحث.

والمقام أحد المواقف التي يفترق فيها التفكير الكلامي عن التفكير الفلسفي وإن لم يصرّح به الماتن والشارح ، والإشكالات التي يذبّ عنها الماتن ، للحكماء كما سيوافيك ، وإليك بيان التفكيرين في المقام :

عرّف المتكلّمون القدرة بصحّة الفعل والترك (١) ، وإن شئت قلت : إمكان الفعل والترك وكون نسبتها إليه على السواء.

وأورد عليه : بأنّ هذا التعريف يصلح لتفسير القدرة في الوجود الإمكاني كالإنسان ، ولا يصح تفسير قدرته سبحانه به ، لأنّ هذا الإمكان ليس قائماً بذات الشيء (المقدور)

__________________

(١) الحكيم السبزواري : شرح المنظومة : ١٧٢.