درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۲: مقدمات ۱۲

 

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ لفظ « ضرب » وإن كان فرداً له، إلّا أنّه إذا قُصد به حكايتُه وجُعل عنواناً له ومرآتَه، كان لفظَه المستعمل فيه، وكان حينئذٍ كما إذا قصد به فرد مثله.

وبالجملة: فإذا اطلق وأُريد به نوعه - كما إذا أُريد به فرد مثله - كان من باب استعمال اللفظ في المعنى، وإن كان فرداً منه وقد حُكم في القضيّة بما يعمّه.

وإن اطلق ليحكم عليه بما هو فرد كلّيّه ومصداقه، لا بما هو لفظه وبه حكايته، فليس من هذا الباب.

لكنّ الإطلاقات المتعارفة ظاهراً ليست كذلك، كما لا يخفى، وفيها ما لا يكاد يصحّ أن يراد منه ذلك، ممّا كان الحكم في القضيّة لا يكاد يعمّ شخصَ اللفظ، كما في مثل « ضَرَبَ فِعْلُ ماضٍ ».

الخامس
[ وضع الألفاظ لذوات المعاني ]

عدم تبعيّة الدلالة للإرادة والدليل عليه

لا ريب في كون الألفاظ موضوعةً بإزاء معانيها من حيث هي، لا من حيث هي مرادةٌ للافظها ؛ لما عرفت (١) - بما لا مزيد عليه - من أنّ قصد المعنى على أنحائه من مقوّمات الاستعمال، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه، هذا.

مضافاً إلى ضرورة صحّة الحمل والإسناد في الجمل بلا تصرُّفٍ في ألفاظ الأطراف، مع أنّه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صحّ بدونه ؛ بداهة أنّ

__________________

(١) في المعنى الحرفي من الأمر الثاني.

المحمول على « زيد » في « زيد قائم » والمسند إليه في « ضَرَبَ زيدٌ » - مثلاً - هو نفس القيام والضرب، لا بما هما مرادان.

مع أنّه يلزم كون وضع عامّة الألفاظ عامّاً والموضوع له خاصّاً ؛ لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين في ما وضع له اللفظ، فإنّه لا مجال لتوهُّم أخذ مفهوم الإرادة فيه، كما لا يخفى.

وهكذا الحال في طرف الموضوع (١).

توجيه ما حُكي عن الشيخ الرئيس والمحقّق الطوسيّ

وأمّا ما حكي عن العَلَمين: الشيخ الرئيس والمحقّق الطوسيّ (٢) - من مصيرهما إلى أنّ الدلالة تتبع الإرادة (٣) - فليس ناظراً إلى كون الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي مرادة - كما توهّمه بعض الأفاضل (٤) -، بل ناظرٌ إلى أنّ دلالة الألفاظ على معانيها بالدلالة التصديقيّة - أي: دلالتها على كونها مرادةً للافظها - تتبع إرادتها منها وتتفرّع عليها - تبعيّةَ مقام الإثبات للثبوت، وتفرُّعَ الكشف على الواقع المكشوف - ؛ فإنّه لولا الثبوت في الواقع لما كان للإثبات والكشف والدلالة مجالٌ.

ولذا لابدّ من إحراز كون المتكلّم بصدد الإفادة في إثبات إرادة ما هو ظاهر كلامه ودلالتِهِ على الإرادة، وإلّا لما كانت لكلامه هذه الدلالة، وإن

__________________

(١) أي: موضوع القضية، وهو « زيد » في المثال المذكور. هذا تتمة المحذور الثاني الذي تعرّض له بقوله: مضافاً إلى ضرورة صحة الحمل والإسناد... فكان المناسب تقديمه على المحذور الثالث، وذكره في ذيل المحذور الثاني، فلاحظ. ( منتهى الدراية ١: ٦٧ ).

(٢) بل حكي ذلك عن أكثر المحقّقين من علماء المعقول والمنقول. ( حقائق الأُصول ١: ٣٨ ).

(٣) راجع الفصل الثامن من المقالة الأُولى من الفن الأوّل من منطق الشفاء: ٤٢، وشرح الإشارات ١: ٣٢. والجوهر النضيد في شرح التجريد: ٤.

(٤) وهو صاحب الفصول في فصوله: ١٧.

كانت له الدلالة التصوّريّة، أي: كون سماعه موجباً لإخطار معناه الموضوع له، ولو كان من وراء الجدار (١)، أو من لافظٍ بلا شعور ولا اختيار.

إن قلت: على هذا يلزم أن لا يكون هناك دلالةٌ عند الخطأ، والقطع بما ليس بمراد، أو الاعتقاد بإرادة شيءٍ ولم يكن له من اللفظ مراد.

قلت: نعم لا يكون حينئذٍ دلالة، بل يكون هناك جهالة وضلالة، يحسبها الجاهل دلالة.

ولعَمري ما أفاده العَلَمان من التبعيّة - على ما بيّنّاه - واضحٌ لا محيص عنه. ولا يكاد ينقضي تعجّبي كيف رضي المتوهّم أن يجعل كلامهما ناظراً إلى ما لا ينبغي صدوره عن فاضل، فضلاً عمّن هو عَلَمٌ في التحقيق والتدقيق ؟ !

السادس
[ وضع المركّبات ]

ليس للمركّبات وضع على حدة

لا وجه لتوهّم وضعٍ للمركّبات غير وضع المفردات ؛ ضرورة عدم الحاجة إليه بعد وضعها بموادّها في مثل « زيد قائم » و « ضرب عمرو بكراً »، شخصيّاً، وبهيئاتها المخصوصة من خصوص إعرابها نوعيّاً (٢)، ومنها: خصوص

__________________

(١) لو أبدله بقوله: « ولو كان من الجدار »، لكان أولى. ( حقائق الأُصول ١: ٣٩ ). وانظر منتهى الدراية ١: ٧١.

(٢) ظاهر العبارة كون كلمة « من » بيانيّة، وحينئذ تفيد حصر الهيئات في أصناف الإعراب من الرفع والنصب والجرّ، وليس كذلك، كما يدلّ عليه قوله: ومنها خصوص هيئات المركّبات... والعبارة حقّها هكذا: « نوعيّاً من الإعراب وهيئات المركبّات ». ( كفاية الأُصول مع حواشي المشكيني ١: ١٢٠ ).