درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۱۸: مقدمات ۱۸

 

تعارض الأحوال

وأمّا إذا دار الأمرُ بينها، فالاصوليّون وإن ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوهاً (١)، إلّا أنّها استحسانيّة، لا اعتبار بها إلّا إذا كانت موجبةً لظهور اللفظ في المعنى ؛ لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك، كما لا يخفى.

التاسع
[ الحقيقة الشرعيّة ]

أنّه اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعيّة وعدمه على أقوال.

أقسام الوضع التعييني

وقبل الخوض في تحقيق الحال لا بأس بتمهيد مقالٍ، وهو: أنّ الوضع التعيينيّ كما يحصل بالتصريح بإنشائه، كذلك يحصل باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما إذا وضع له، بأن يقصد الحكاية عنه والدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة، وإن كان لابدّ حينئذٍ من نصب قرينةٍ، إلّا أنّه للدلالة على ذلك، لا على إرادة المعنى كما في المجاز، فافهم.

وكون استعمال اللفظ فيه كذلك في غير ما وضع له - بلا مراعاة ما اعتبر في المجاز فلا يكون بحقيقة ولا مجاز - غيرُ ضائرٍ، بعدَ ما كان ممّا يقبله الطبع ولا يستنكره. وقد عرفت سابقاً (٢) أنّه في الاستعمالات الشائعة في المحاورات ما ليس بحقيقة ولا مجاز.

ثبوت الحقيقة الشرعيّة

إذا عرفت هذا، فدعوى الوضع التعيينيّ في الألفاظ المتداولة في لسان الشارع هكذا قريبةٌ جدّاً، ومدّعي القطع به غير مجازف قطعاً.

__________________

(١) راجع الفصول: ٤٠، وهداية المسترشدين ١: ٢٨٩ - ٣١٩، وقوانين الأُصول ١: ٣٢.

(٢) في الأمر الرابع ؛ حيث ذكر أنّ صحة إطلاق اللفظ وإرادة النوع أو الصنف إنّما هي بالطبع لا بالوضع. لاحظ الصفحة: ٣٠.

ويدّل عليه تبادر المعاني الشرعيّة منها في محاوراته.

ويؤيّد ذلك: أنّه ربما لا تكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعيّة واللغويّة، فأيّ علاقة بين الصّلاة شرعاً والصّلاة بمعنى الدعاء (١) ؟ ومجرّد اشتمال الصّلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء والكلّ بينهما، كما لا يخفى.

هذا كلّه بناءً على كون معانيها مستحدثة في شرعنا.

وأمّا بناءً على كونها ثابتة في الشرائع السابقة - كما هو قضيّة غير واحدٍ من الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ كَما كُتِبَ عَلَى الّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وأذِّن في النّاسِ بِالحجّ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وأوْصاني بالصَّلاةِ والزَّكاةِ مادُمْتُ حَيّاً﴾ (٤)... إلى غير ذلك - فألفاظها حقائق لغويّة لا شرعيّة.

واختلاف الشرائع فيها جزءاً وشرطاً لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهيّة ؛ إذ لعلّه كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحقّقات، كاختلافها بحسب الحالات في شَرْعِنا، كما لا يخفى.

ثمّ لا يذهب عليك أنّه مع هذا الاحتمال لا مجال لدعوى الوثوق - فضلاً عن القطع - بكونها حقائق شرعيّة، ولا لتوهُّم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها، لو سلِّم دلالتها على الثبوت لولاه.

ومنه قد انقدح حال دعوى الوضع التعيّنيّ معه.

__________________

(١) في نهاية الدراية ١: ٨٨: فأيّ علاقة بين الصلاة والدعاء ؟

(٢) البقرة: ١٨٣.

(٣) الحجّ: ٢٧.

(٤) مريم: ٣١.

ومع الغضّ عنه، فالإنصاف: أنّ منع حصوله في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرةٌ. نعم، حصوله في خصوص لسانه ممنوع، فتأمّل.

ثمرة البحث

وأمّا الثمرة بين القولين، فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع - بلا قرينة -، على معانيها اللغويّة مع عدم الثبوت، وعلى معانيها الشرعيّة على الثبوت، في ما إذا علم تأخّر الاستعمال.

وفي ما إذا جهل التأريخ ففيه إشكال. وأصالة تأخّر الاستعمال - مع معارضتها بأصالة تأخّر الوضع - لا دليل على اعتبارها تعبّداً إلّا على القول بالأصل المثبت. ولم يثبت بناءٌ من العقلاء على التأخّر مع الشّك. وأصالةُ عدم النقل إنّما كانت معتبرة في ما إذا شكّ في أصل النقل، لا في تأخّره، فتأمّل.

العاشر
[ الصحيح والأعمّ ]

أنّه وقع الخلاف في أنّ ألفاظ العبادات أسامٍ لخصوص الصحيحة، أو للأعمّ منها ؟

تقديم أُمور:

وقبل الخوض في ذكر أدلّة القولين يذكر أُمور:

الأمر الأول: تصوير النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه

منها: أنّه لا شبهة في تأتّي الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة.

وفي جريانه على القول بالعدم إشكالٌ.

وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره (١): أنّ النزاع وقع - على هذا - في أنّ الأصل في هذه الألفاظ المستعملة مجازاً في كلام الشارع، هو استعمالها في

__________________

(١) قاله الشيخ الأعظم الأنصاري على ما في تقريرات بحثه. راجع مطارح الأنظار ١: ٣٢.