درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۲۰: مقدمات ۲۰

 

ومع الغضّ عنه، فالإنصاف: أنّ منع حصوله في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرةٌ. نعم، حصوله في خصوص لسانه ممنوع، فتأمّل.

ثمرة البحث

وأمّا الثمرة بين القولين، فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع - بلا قرينة -، على معانيها اللغويّة مع عدم الثبوت، وعلى معانيها الشرعيّة على الثبوت، في ما إذا علم تأخّر الاستعمال.

وفي ما إذا جهل التأريخ ففيه إشكال. وأصالة تأخّر الاستعمال - مع معارضتها بأصالة تأخّر الوضع - لا دليل على اعتبارها تعبّداً إلّا على القول بالأصل المثبت. ولم يثبت بناءٌ من العقلاء على التأخّر مع الشّك. وأصالةُ عدم النقل إنّما كانت معتبرة في ما إذا شكّ في أصل النقل، لا في تأخّره، فتأمّل.

العاشر
[ الصحيح والأعمّ ]

أنّه وقع الخلاف في أنّ ألفاظ العبادات أسامٍ لخصوص الصحيحة، أو للأعمّ منها ؟

تقديم أُمور:

وقبل الخوض في ذكر أدلّة القولين يذكر أُمور:

الأمر الأول: تصوير النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه

منها: أنّه لا شبهة في تأتّي الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة.

وفي جريانه على القول بالعدم إشكالٌ.

وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره (١): أنّ النزاع وقع - على هذا - في أنّ الأصل في هذه الألفاظ المستعملة مجازاً في كلام الشارع، هو استعمالها في

__________________

(١) قاله الشيخ الأعظم الأنصاري على ما في تقريرات بحثه. راجع مطارح الأنظار ١: ٣٢.

خصوص الصحيحة أو الأعمّ، بمعنى أنّ أيّهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني اللغويّة ابتداءً، وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته، كي ينزّل كلامِه عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغويّة، وعدم قرينةٍ أُخرى معيّنةٍ للآخَر

الإشكال إثباتاً في تصوير النزاع بناءً على عدم القول بالحقيقة الشرعية

وأنت خبير بأنّه لا يكاد يصحّ هذا إلّا إذا علم أنّ العلاقة إنّما اعتبرت كذلك، وأنّ بناء الشارع في محاوراته استقرّ - عند عدم نصب قرينة أُخرى - على إرادته، بحيث كان هذا قرينة عليه من غير حاجة إلى قرينة معيّنة أُخرى (١)، وأنّى لهم بإثبات ذلك ؟

تصوير النزاع على مسلك الباقلّاني

وقد انقدح بما ذكرنا تصويرُ النزاع على ما نُسب إلى الباقلّانيّ (٢)، وذلك بأن يكون النزاع في أنّ قضيّة القرينة المضبوطة - الّتي لا يتعدّى عنها إلّا بالاخرى، الدالّة على أجزاء المأمور به وشرائطه - هو تمام الأجزاء والشرائط، أو هما في الجملة، فلا تغفل (٣).

الأمر الثاني: معنى الصحّة

ومنها: أنّ الظاهر أنّ الصحّة عند الكلّ بمعنى واحد، وهو التماميّة.

وتفسيرها بإسقاط القضاء - كما عن الفقهاء -، أو بموافقة الشريعة - كما عن المتكلّمين -، أو غير ذلك، إنّما هو بالمهمّ من لوازمها (٤) ؛ لوضوح اختلافه بحسب اختلاف الأنظار. وهذا لا يوجب تعدُّدَ المعنى، كما لا يوجبه اختلافها بحسب الحالات من السفر والحضر، والاختيار والاضطرار إلى غير ذلك، كما لا يخفى.

__________________

(١) الأولى: تقديم « أُخرى » على « معيّنة »، كما لا يخفى. ( منتهى الدراية ١: ١٠٥ ).

(٢) المنسوب إليه: أنّ الألفاظ باقية على معانيها اللغوية، والخصوصيات الزائدة عليها معتبرة في موضوع الأمر لا المستعمل فيه. ( حقائق الأُصول ١: ٥٤ ).

(٣) يبدو أنّ هذا تعريض بما ورد عن الشيخ الأعظم الأنصاري من إنكاره جريان النزاع على ما نسب إلى الباقلّاني. راجع مطارح الأنظار ١: ٣٤.

(٤) ذكر هذا التوضيح لمعنى الصحّة في مطارح الأنظار ١: ٥٥.

ومنه ينقدح: أنّ الصحّة والفساد أمران إضافيّان، فيختلف شيءٌ واحدٌ صحّةً وفساداً بحسب الحالات، فيكون تامّاً بحسب حالةٍ، وفاسداً بحسب أُخرى، فتدبّر جيّداً.

الأمر الثالث: لزوم تصوير الجامع على القولين

ومنها: أنّه لابدّ على كلا القولين من قدر جامع في البين، كان هو المسمّى بلفظ كذا.

تصوير الجامع على القول بالصحيح

ولا إشكال في وجوده بين الأفراد الصحيحة، وإمكان الإشارة إليه بخواصّها وآثارها ؛ فإنّ الاشتراك في الأثر كاشفٌ عن الاشتراك في جامعٍ واحدٍ، يؤثّر الكلُّ فيه بذاك الجامع، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة - مثلاً - ب « الناهية عن الفحشاء » وما هو « معراج المؤمن » ونحوهما.

إشكال الشيخ الأعظم على تصوير الجامع

والإشكال فيه (١): بأنّ الجامع لا يكاد يكون أمراً مركّباً ؛ إذ كلّ ما فُرض جامعاً، يمكن أن يكون صحيحاً وفاسداً ؛ لما عرفت (٢)، ولا أمراً بسيطاً ؛ لأنّه لا يخلو: إمّا أن يكون هو عنوان المطلوب، أو ملزوماً مساوياً له:

والأوّل غير معقول ؛ لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتّى إلّا من قِبَل الطلب في متعلّقه، مع لزوم الترادف بين لفظة « الصّلاة » و « المطلوب »، وعدمِ جريان البراءة مع الشّك في أجزاء العبادات وشرائطها ؛ لعدم الإجمال حينئذٍ في المأمور به فيها، وإنّما الإجمال في ما يتحقّق به، وفي مثله لا مجال لها - كما حقّق في محلّه - مع أنّ المشهور القائلين بالصحيح قائلون بها في الشكّ فيها.

وبهذا يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب أيضاً.

__________________

(١) أُنظر تفصيله في مطارح الأنظار ١: ٤٦ - ٤٩.

(٢) آنفاً، من كون الصحّة والفساد أمرين إضافييّن.