درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۲۲: مقدمات ۲۲

 

ومنه ينقدح: أنّ الصحّة والفساد أمران إضافيّان، فيختلف شيءٌ واحدٌ صحّةً وفساداً بحسب الحالات، فيكون تامّاً بحسب حالةٍ، وفاسداً بحسب أُخرى، فتدبّر جيّداً.

الأمر الثالث: لزوم تصوير الجامع على القولين

ومنها: أنّه لابدّ على كلا القولين من قدر جامع في البين، كان هو المسمّى بلفظ كذا.

تصوير الجامع على القول بالصحيح

ولا إشكال في وجوده بين الأفراد الصحيحة، وإمكان الإشارة إليه بخواصّها وآثارها ؛ فإنّ الاشتراك في الأثر كاشفٌ عن الاشتراك في جامعٍ واحدٍ، يؤثّر الكلُّ فيه بذاك الجامع، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة - مثلاً - ب « الناهية عن الفحشاء » وما هو « معراج المؤمن » ونحوهما.

إشكال الشيخ الأعظم على تصوير الجامع

والإشكال فيه (١): بأنّ الجامع لا يكاد يكون أمراً مركّباً ؛ إذ كلّ ما فُرض جامعاً، يمكن أن يكون صحيحاً وفاسداً ؛ لما عرفت (٢)، ولا أمراً بسيطاً ؛ لأنّه لا يخلو: إمّا أن يكون هو عنوان المطلوب، أو ملزوماً مساوياً له:

والأوّل غير معقول ؛ لبداهة استحالة أخذ ما لا يتأتّى إلّا من قِبَل الطلب في متعلّقه، مع لزوم الترادف بين لفظة « الصّلاة » و « المطلوب »، وعدمِ جريان البراءة مع الشّك في أجزاء العبادات وشرائطها ؛ لعدم الإجمال حينئذٍ في المأمور به فيها، وإنّما الإجمال في ما يتحقّق به، وفي مثله لا مجال لها - كما حقّق في محلّه - مع أنّ المشهور القائلين بالصحيح قائلون بها في الشكّ فيها.

وبهذا يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب أيضاً.

__________________

(١) أُنظر تفصيله في مطارح الأنظار ١: ٤٦ - ٤٩.

(٢) آنفاً، من كون الصحّة والفساد أمرين إضافييّن.

الجواب عن الإشكال

مدفوع: بأنّ الجامع إنّما هو مفهومٌ واحدٌ منتزعٌ عن هذه المركّبات المختلفة - زيادةً ونقيصةً بحسب اختلاف الحالات -، متّحدٌ معها نحوَ اتّحادٍ، وفي مثله تجري البراءة، وإنّما لا تجري في ما إذا كان المأمور به أمراً واحداً خارجيّاً، مسبّباً عن مركّبٍ مردّدٍ بين الأقلّ والأكثر، كالطهارة المسبَّبة عن الغُسل والوضوء في ما إذا شُكّ في أجزائهما.

هذا على الصحيح.

وجوه تصوير الجامع على القول بالأعم والمناقشة فيها

وأمّا على الأعمّ، فتصوير الجامع في غاية الإشكال، فما قيل في تصويره أو يقال وجوه:

١ - الجامع هوجملة من أجزاءالعبادة

أحدها: أن يكون عبارة عن جملةٍ من أجزاء العبادة، كالأركان في الصّلاة - مثلاً -، وكان الزائد عليها معتبراً في المأمور به، لا في المسمّى (١).

وفيه ما لا يخفى، فإنّ التسمية بها حقيقةً لا تدور مدارها ؛ ضرورةَ صدق الصّلاة مع الإخلال ببعض الأركان، بل وعدم الصدق عليها مع الإخلال بسائر الأجزاء والشرائط عند الأعميّ، مع أنّه يلزم أن يكون الاستعمال في ما هو المأمور به - بأجزائه وشرائطه - مجازاً عنده، وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ، لا من باب إطلاق الكلّيّ على الفرد والجزئيّ - كما هو واضح -، ولا يلتزم به القائل بالأعمّ، فافهم.

٢ - الجامع هومعظم الأجزاء

ثانيها: أن تكون موضوعةً لمعظم الأجزاء التي تدور مدارها التسمية عرفاً ؛ فصدق الاسم كذلك يكشف عن وجود المسمّى، وعدم صدقه عن عدمه (٢).

__________________

(١) حكاه في مطارح الأنظار ١: ٥١ عن المحقّق القمّي وأورد عليه بالوجوه المذكورة هنا. راجع أيضاً القوانين ١: ٦٠.

(٢) في مطارح الأنظار ١: ٥٤: « نسبه البعض إلى جماعة من القائلين بالأعم، بل قيل وهو المعروف بينهم ».

وفيه: - مضافاً إلى ما أُورد على الأوّل أخيراً - أنّه عليه يتبادل ما هو المعتبر في المسمّى ؛ فكان شيءٌ واحدٌ داخلاً فيه تارةً، وخارجاً عنه أُخرى، بل مردّداً بين أن يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الأجزاء، وهو كما ترى، سيّما إذا لوحظ هذا مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات.

٣ - أن يكون وضع العبادات كوضع الأعلام الشخصية

ثالثها: أن يكون وضعها كوضع الأعلام الشخصيّة كـ « زيد »، فكما لا يضرّ في التسمية فيها تبادل الحالات المختلفة من الصِغَر والكِبَر، ونقصِ بعض الأجزاء وزيادته، كذلك فيها (١).

وفيه: أنّ الأعلام إنّما تكون موضوعة للأشخاص، والتشخّص إنّما يكون بالوجود الخاصّ، ويكون الشخص حقيقةً باقياً مادام وجوده باقياً، وإن تغيّرت عوارضه من الزيادة والنقصان وغيرهما من الحالات والكيفيّات، فكما لا يضرّ اختلافها في التشخّص، لا يضرّ اختلافها في التسمية.

وهذا بخلاف مثل ألفاظ العبادات ممّا كانت موضوعة للمركّبات والمقيّدات، ولا يكاد يكون موضوعاً له إلّا ما كان جامعاً لشتاتها وحاوياً لمتفرّقاتها، كما عرفت في الصحيح منها (٢).

٤ - أن يكون الموضوع له هوالصحيح التام والتوسعة تتمّ بتسامح العرف

رابعها: أنّ ما وضعت له الألفاظ ابتداءً هو الصحيح التامّ الواجد لتمام الأجزاء والشرائط، إلّا أنّ العرف يتسامحون - كما هو ديدنهم - ويطلقون تلك الألفاظ على الفاقد للبعض، تنزيلاً له منزلة الواجد، فلا يكون مجازاً

__________________

(١) انظر مطارح الأنظار ١: ٥٥.

(٢) ذكر الشيخ الأعظم هذا الإشكال في مطارح الأنظار ١: ٥٥ - ٥٦ لكنّه ناقش فيه، وأورد إشكالاً آخر على الوجه.