درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۳۴: مقدمات ۳۴

 

الأوضاع غير المتناهية، ولو سلّم لم يكَد يُجدي إلّا في مقدارٍ متناهٍ، مضافاً إلى تناهي المعاني الكلّيّة، وجزئيّاتها وإن كانت غير متناهية إلّا أنّ وضع الألفاظ بإزاء كلّيّاتها يغني عن وضع لفظٍ بإزائها، كما لا يخفى، مع أنّ المجاز بابٌ واسعٌ (١)، فافهم.

الثاني عشر
[ استعمال اللفظ في أكثر من معنى ]

أنّه قد اختلفوا في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، على سبيل الانفراد والاستقلال - بأن يراد منه كلُّ واحدٍ كما إذا لم يستعمل إلّا فيه - على أقوال:

أظهرها: عدم جواز الاستعمال في الأكثر عقلاً.

الأظهر: عدم جواز الاستعمال في الأكثر عقلاً

وبيانه: أنّ حقيقة الاستعمال ليس مجرّدُ جَعْلِ اللفظ علامةً لإرادة المعنى (٢)، بل جَعْلُه وجهاً وعنواناً له، بل بوجهٍ نفسُهُ كأنّه الملقى، ولذا يسري إليه قُبْحُه أو حُسْنُه، كما لا يخفى.

ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلّا لمعنى واحد ؛ ضرورةَ أنّ لحاظه هكذا في إرادة معنى ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر ؛ حيث إنّ لحاظه كذلك لا يكاد يكون إلّا بتبع لحاظ المعنى فانياً فيه، فناءَ الوجه في ذي الوجه، والعنوان في المعنون، ومعه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال

__________________

(١) الأجوبة الأربعة مذكورة في الفصول: ٣١.

(٢) في نهاية الدراية ١: ١٥٠: علامةٌ على إرادة المعنى.

واحد ؟ مع (١) استلزامه (٢) للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذا الحال.

وبالجملة: لا يكاد يمكن - في حال استعمال واحد - لحاظُهُ وجهاً لمعنيين وفانياً في الاثنين، إلّا أن يكون اللاحظ أحْوَلَ العينين.

فانقدح بذلك: امتناع استعمال اللفظ مطلقاً - مفرداً كان أو غيره - في أكثر من معنى، بنحو الحقيقة أو المجاز.

ولولا امتناعه فلا وجه لعدم جوازه ؛ فإنّ اعتبار الوحدة في الموضوع له (٣) واضح المنع.

وكون الوضع في حال وحدة المعنى وتوقيفيّته (٤) لا يقتضي عدم الجواز، بعد ما لم تكن الوحدة قيداً للوضع ولا للموضوع له، كما لا يخفى.

القول بالتفصيل بين التثنية والجمع وبين المفرد والمناقشة فيه

ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك، فلا وجه للتفصيل بالجواز على نحو الحقيقة في التثنية والجمع، وعلى نحو المجاز في المفرد، مستدلّاً على كونه بنحو الحقيقة فيهما ؛ لكونهما (٥) بمنزلة تكرار اللفظ، وبنحو المجاز فيه ؛ لكونه (٦) موضوعاً للمعنى بقيد الوحدة، فإذا استعمل في الأكثر لزم إلغاء قيد الوحدة، فيكون مستعملاً في جزء المعنى بعلاقة الكلّ والجزء، فيكون مجازاً (٧).

__________________

(١) الظرف متعلّق بقوله: « إرادة »، وهذا تقريب الاستحالة وليس وجهاً آخر، وحاصله: إنّه كيف يمكن إرادة معنى آخر في استعمال واحد مع استلزام إرادته لحاظ اللفظ ثانياً غير لحاظه أولاً.... ( منتهى الدراية ١: ١٨١ ).

(٢) الأولى: تأنيث ضمير « استلزامه » ؛ لرجوعه إلى « إرادة معنى آخر ». ( منتهى الدراية ١: ١٨١ ).

(٣) كما في المعالم: ٣٩.

(٤) كما في القوانين ١: ٦٣ و٧٠.

(٥) كذا في الأصل والمطبوع، وكُتب فوقها في « ش »: بكونهما ظ.

(٦) كذا، وكتب أعلاها في « ش »: بكونه ظ.

(٧) ذهب إلى هذا التفصيل صاحب المعالم في معالمه: ٣٩ - ٤٠.

وذلك لوضوح (١) أنّ الألفاظ لا تكون موضوعة إلّا لنفس المعاني بلا ملاحظة قيد الوحدة، وإلّا لما جاز الاستعمال في الأكثر ؛ لأنّ الأكثر ليس جزءَ المقيّد بالوحدة، بل يباينه مباينةَ الشيء بشرط شيءٍ والشيء بشرط لا، كما لا يخفى.

والتثنية والجمع وإن كانا بمنزلة التكرار في اللفظ، إلّا أنّ الظاهر أنّ اللفظ فيهما كأنّه كرّر، وأُريد من كلّ لفظٍ فردٌ من أفراد معناه، لا أنّه أُريد منه معنى من معانيه. فإذا قيل مثلاً: « جئني بعينين » أُريد فردان من العين الجارية، لا العين الجارية والعين الباكية.

والتثنية والجمع في الأعلام إنّما هو بتأويل المفرد إلى المسمّى بها.

مع أنّه لو قيل بعدم التأويل، وكفاية الاتّحاد في اللفظ في استعمالهما حقيقةً، بحيث جاز إرادة عين جارية وعين باكية من تثنية « العين » حقيقةً، لما كان هذا من باب استعمال اللفظ في الأكثر ؛ لأنّ هيئتهما إنّما تدلّ على إرادة المتعدّد ممّا يراد من مفردهما، فيكون استعمالهما وإرادة المتعدّد من معانيه استعمالهما في معنى واحد، كما إذا استعملا وأُريد المتعدّد من معنى واحد منهما، كما لا يخفى.

نعم، لو أُريد - مثلاً - من « عينين »: فردان من الجارية، وفردان من الباكية كان من استعمال العينين في المعنيين، إلّا أنّ حديث التكرار لا يكاد يجدي في ذلك أصلاً ؛ فإنّ فيه إلغاء قيد الوحدة المعتبرة أيضاً ؛ ضرورةَ أنّ

__________________

(١) في العبارة مسامحة ؛ إذ لازم التنزّل تسليم كون الوحدة قيداً للموضوع له، ومعه لا وجه للاعتراض بأنّ اللفظ موضوع لنفس المعنى، نعم، الاعتراضات الأُخر واردة عليه بعد التسليم المذكور ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٢١١ ). وراجع حقائق الأُصول ١: ٩٣.