درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۴۵: مقدمات ۴۵

 

مجازات ؛ فإنّ ذلك - لو سلّم - فإنّما هو لأجل تعدّد المعاني المجازيّة بالنسبة إلى المعنى الحقيقيّ الواحد. نعم، ربما يتّفق ذلك بالنسبة إلى معنى مجازيّ، لكثرة الحاجة إلى التعبير عنه، لكن أين هذا ممّا إذا كان دائماً كذلك ؟ فافهم.

قلت: - مضافاً إلى أنّ مجرّد الاستبعاد غيرُ ضائرٍ بالمراد بعدَ مساعدة الوجوه المتقدّمة عليه - إنّ ذلك إنّما يلزم لو لم يكن استعماله في ما انقضى بلحاظ حال التلبّس، مع أنّه بمكان من الإمكان، فيراد من « جاء الضاربُ »، أو « الشارب » - وقد انقضى عنه الضرب والشرب -: جاء الّذي كان ضارباً وشارباً قبل مجيئه حالَ التلبّس بالمبدأ، لا حينه بعد الانقضاء، كي يكون الاستعمال بلحاظ هذا الحال، وجعلُهُ معنوناً بهذا العنوان فعلاً بمجرّد تلبّسه قبل مجيئه ؛ ضرورةَ أنّه لو كان للأعمّ لصحّ استعماله بلحاظ كلا الحالين.

وبالجملة: كثرة الاستعمال في حال الانقضاء يمنع عن دعوى سبق خصوص حال التلبّس من الإطلاق ؛ إذ مع عموم المعنى وقابليّة كونه حقيقة في المورد - ولو بالانطباق - لا وجه لملاحظة حالةٍ أُخرى، كما لا يخفى.

بخلاف ما إذا لم يكن له العموم، فإنّ استعماله حينئذٍ مجازاً بلحاظ حال الانقضاء وإن كان ممكناً، إلّا أنّه لمّا كان بلحاظ حال التلبّس على نحو الحقيقة بمكانٍ من الإمكان، فلا وجه لاستعماله وجريه على الذات مجازاً وبالعناية وملاحظة العلاقة، وهذا غير استعمال اللفظ في ما لا يصحّ استعماله فيه حقيقةً، كما لا يخفى، فافهم.

الإشكال على دليل صحّة السلب والجواب عنه

ثمّ إنّه ربما أُورد على الاستدلال بصحّة السلب بما حاصله: أنّه إن أُريد بصحّة السلب صحّتُه مطلقاً، فغير سديد، وإن أُريد مقيّداً، فغير مفيد ؛ لأنّ علامة المجاز هي صحّة السلب المطلق (١).

__________________

(١) ورد هذا الإشكال والجواب عنه في بدائع الأفكار: ١٨٠، وراجع الفصول: ٦١.

وفيه: أنّه إن أُريد بالتقييد تقييدُ المسلوب - الّذي يكون سلبُهُ أعمَّ من سلب المطلق، كما هو واضح - فصحّة سلبه وإن لم تكن علامةً على كون المطلق مجازاً فيه، إلّا أنّ تقييده ممنوع.

وإن أُريد تقييد السلب، فغير ضائر بكونها علامة ؛ ضرورةَ صدق المطلق على أفراده على كلّ حال، مع إمكان منع تقييده أيضاً، بأن يلحظ حال الانقضاء في طرف الذات الجاري عليها المشتقّ، فيصحّ سلبه مطلقاً بلحاظ هذا الحال، كما لا يصحّ سلبه بلحاظ حال التلبّس، فتدبّر جيّداً.

عدم الفرق بين المشتق اللازم والمتعدّي

ثمّ لا يخفى: أنّه لا يتفاوت في صحّة السلب عمّا انقضى عنه المبدأ، بين كون المشتقّ لازماً وكونه متعدّياً (١) ؛ لصحّة سلب الضارب عمّن يكون فعلاً غيرَ ملتبّس بالضرب، وكان متلبّساً به سابقاً.

وأمّا إطلاقه عليه في الحال، فإن كان بلحاظ حال التلبّس فلا إشكال كما عرفت (٢)، وإن كان بلحاظ الحال فهو وإن كان صحيحاً، إلّا أنّه لا دلالة على كونه بنحو الحقيقة ؛ لكون الاستعمال أعمَّ منها، كما لا يخفى.

عدم الفرق بين المتلبّس بضدّ المبدأ وغيرِ المتلبّس

كما لا يتفاوت في صحّة السلب عنه بين تلبّسه بضدّ المبدأ وعدم تلبّسه (٣) ؛ لما عرفت من وضوح صحّته مع عدم التلبّس أيضاً، وإن كان معه أوضح.

وممّا ذكرنا ظهر حال كثير من التفاصيل، فلا نطيل بذكرها على التفصيل.

__________________

(١) تعريض بتفصيل الفصول: ٦٠ بين المشتق من المصادر المتعدّية، فيكون حقيقة في الأعم، والمصادر اللازمة، فيكون مجازاً في المنقضي.

(٢) في الأمر الخامس.

(٣) هذا التفصيل حكاه المحقّق التقي عن الشهيد الثاني وغيره، راجع هداية المسترشدين ١: ٣٧٠ وتمهيد القواعد: ٨٥.

حجّة القول بعدم اشتراط التلبّس:

حجّة القول بعدم الاشتراط وجوه:

١ - التبادر و ما يرد عليه

الأوّل: التبادر.

وقد عرفت أنّ المتبادر هو خصوص حال التلبّس.

٢ - عدم صحة السلب و ما يرد عليه

الثاني: عدم صحّة السلب في « مضروب » و « مقتول » عمّن انقضى عنه المبدأ.

وفيه: أنّ عدم صحّته في مثلهما إنّما هو لأجل أنّه أُريد من المبدأ معنى يكون التلبّس به باقياً في الحال ولو مجازاً، وقد انقدح من بعض المقدّمات (١): أنّه لا يتفاوت الحال في ما هو المهمّ في محلّ البحث والكلام، ومورد النقض والإبرام اختلاف (٢) ما يراد من المبدأ في كونه حقيقةً أو مجازاً.

وأمّا لو أُريد منه نفس ما وقع على الذات ممّا صدر عن الفاعل، فإنّما لا يصحّ السلب في ما لو كان بلحاظ حال التلبّس والوقوع - كما عرفت (٣) -، لا بلحاظ الحال أيضاً ؛ لوضوح صحّة أن يقال: « إنّه ليس بمضروب الآن، بل كان ».

٣ - استدلال الإمام عليه‌السلام بالآية الشريفة

الثالث: استدلال الإمام عليه‌السلام (٤) - تأسّياً بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله (٥) - كما عن غير واحد من

__________________

(١) وهي المقدّمة الرابعة من مبحث المشتق، حيث قال: إنّ اختلاف المشتقّات في المبادئ... لا يوجب اختلافاً في دلالتها... انظر الصفحة: ٦٦.

(٢) لا يخفى: أنّ العبارة لا تخلو عن حزازة ؛ إذ لو كان الحال فاعلاً لقوله: يتفاوت - كما هو كذلك - لخلا قوله: اختلاف عن العامل، ولابدّ حينئذ من إدخال الباء الجارّة عليه، لتكون العبارة هكذا: لا يتفاوت الحال في ما هو المهم باختلاف ما يراد من المبدء. ( منتهى الدراية ١: ٢٩٢ ).

(٣) في أثناء الاستدلال على ما هو المختار، حيث قال: ويدلّ عليه... صحّة السلب مطلقاً عمّا انقضى عنه. الصفحة: ٦٩.

(٤) الكافي ١: ١٧٥، عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢: ١٩٦.

(٥) إشارة إلى الحديث الذي رواه الشيخ الطوسي مسنداً عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: أنا دعوة أبي إبراهيم... راجع تفصيله في أماليه: ٣٧٩.