درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۵۲: مقدمات ۵۲

 

ومن الواضح أنّ ملاك الحمل لحاظُ (١) نحوِ اتّحادٍ (٢) بين الموضوع والمحمول، مع وضوح عدم لحاظ ذلك في التحديدات وسائر القضايا في طرف الموضوعات، بل لا يُلحظ في طرفها إلّا نفس معانيها، كما هو الحال في طرف المحمولات، ولا يكون حملها عليها إلّا بملاحظة ما هما عليه من نحوٍ من الاتّحاد، مع ما هما عليه من المغايرة ولو بنحوٍ من الاعتبار.

فانقدح بذلك فساد ما جعله في الفصول (٣) تحقيقاً للمقام. وفي كلامه موارد للنظر تظهر بالتأمّل وإمعان النظر.

٤ - كفاية المغايرة المفهوميّة في الحمل وكيفيّة حمل صفاته تعالى عليه

الرابع (٤): لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري المشتقّ عليه مفهوماً، وإن اتّحدا عيناً وخارجاً، فصِدْقُ الصفات - مثل العالم والقادر والرحيم والكريم إلى غير ذلك من صفات الكمال والجلال (٥) - عليه تعالى

__________________

(١) الظاهر: زياردة كلمة « لحاظ » ؛ إذ المناط في صحّة الحمل هو نفس الاتحاد بأحد أنحائه... وليس الحمل تابعاً للحاظ الاتحاد، فحقّ العبارة أن تكون: « إنّ ملاك الحمل نحو من الاتحاد... ». ( منتهى الدراية ١: ٣٣٤ ).

(٢) في « ر »: « لحاظ نحو من الاتّحاد ». وفي « ق »، « ش »، حقائق الأُصول ومنتهى الدراية: « لحاظ بنحو الاتّحاد ». وقال المحقّق المشكيني: فيها ( العبارة )... اغتشاش، وحقّها هكذا: « نحوٍ من الاتحاد ». ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٢٨٩ ). أيضاً يراجع عناية الأُصول ١: ١٦٦.

(٣) الفصول: ٦٢.

(٤) الظاهر من كلمات الأشاعرة: ابتناء اعتبار المغايرة خارجاً بين المبدء والذات، على اعتبار قيام المبدء في صدق المشتق، فانّهم استنتجوا أُموراً، منها: زيادة الصفات على الذات، فكان الأنسب جعل هذا التنبيه من متعلّقات التنبيه الآتي. ( حقائق الأُصول ١: ١٣٦ ).

(٥) لا يخفى: أنّ صفات الجلال هي الصفات السلبيّة، وهي ليست عين الذات، فالظاهر أنّه تفسير للكمال، وليس المراد منه ما هو المصطلح. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٢٩٢ ).

- على ما ذهب إليه أهل الحقّ من عينيّة صفاته - يكون على الحقيقة ؛ فإنّ المبدأ فيها وإن كان عينَ ذاته تعالى خارجاً، إلّا أنّه غيرُ ذاته تعالى مفهوماً.

مناقشة ما أفاده الفصول في المقام

ومنه قد انقدح (١) ما في الفصول (٢) من الالتزام بالنقل أو التجوّز في ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى - بناءً على الحقّ من العينيّة - ؛ لعدم المغايرة المعتبرة بالاتّفاق.

وذلك لما عرفت من كفاية المغايرة مفهوماً، ولا اتّفاق على اعتبار غيرها إن لم نقل بحصول الاتّفاق على عدم اعتباره، كما لا يخفى. وقد عرفت (٣) ثبوت المغايرة كذلك بين الذات ومبادئ الصفات.

٥ - الخلاف في اعتبار قيام المبدأ بالذات

الخامس: انّه وقع الخلاف - بعد الاتّفاق على اعتبار المغايرة كما عرفت بين المبدأ وما يجري عليه المشتقّ - في اعتبار قيام المبدأ به في صدقه على نحو الحقيقة.

وقد استدلّ من قال بعدم الاعتبار بصدق « الضارب » و « المؤلِم » مع قيام الضرب والألَم بالمضروب والمؤلَم - بالفتح -.

والتحقيق: أنّه لا ينبغي أن يرتاب من كان من أُولي الألباب، في أنّه يعتبر في صدق المشتقّ على الذات وجريه عليها من (٤) التلبُّس بالمبدأ بنحوٍ خاصٍّ، على اختلاف أنحائه - الناشئة من اختلاف الموادّ تارةً، واختلاف

__________________

(١) الظاهر: أنّ لفظ « فساد » ساقط من القلم، قبل كلمة « ما ». ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٢٩٢ )، أيضاً انظر منتهى الدراية ١: ٣٤٠.

(٢) الفصول: ٦٢. ولم يلتزم صاحب الفصول إلّا بوقوع النقل فيها دون التجوّز. ( راجع عناية الأُصول ١: ١٥١ ).

(٣) في بداية هذا الأمر.

(٤) كذا في الأصل وطبعاته، والظاهر زيادة: « من ».

الهيئآت أُخرى - من القيام صدوراً، أو حلولاً، أو وقوعاً عليه أو فيه، أو انتزاعه عنه مفهوماً، مع اتّحاده معه خارجاً، كما في صفاته تعالى - على ما أشرنا إليه آنفاً (١) -، أو مع عدم تحقُّقٍ إلّا للمنتزع عنه، كما في الإضافات والاعتبارات الّتي لا تحقُّقَ لها، ولا يكون بحذائها في الخارج شيءٌ، وتكون من الخارج المحمول (٢) لا المحمول بالضميمة.

الكلام في الصفات الجارية عليه تعالى

ففي صفاته الجارية عليه - تعالى - يكون المبدأ مغايراً له - تعالى - مفهوماً، وقائماً به عيناً، لكنّه بنحوٍ من القيام، لا بأن يكون هناك اثنينيّة، وكان ما بحذائه غير الذات، بل بنحو الاتّحاد والعينيّة، وكان ما بحذائه عين الذات.

وعدم اطّلاع العرف على مثل هذا التلبّس من الامور الخفيّة، لا يضرُّ بصدقها عليه - تعالى - على نحو الحقيقة، إذا كان لها مفهومٌ صادقٌ عليه - تعالى - حقيقةً، ولو بتأمّل وتعمّل من العقل. والعرف إنّما يكون مرجعاً في تعيين المفاهيم، لا في تطبيقها على مصاديقها.

وبالجملة: يكون مثل العالم والعادل وغيرِهما من الصفات الجارية عليه تعالى وعلى غيره، جاريةً عليهما بمفهوم واحد ومعنى فارد، وإن اختلفا في ما

__________________

(١) في الأمر السابق، حيث قال: فإنّ المبدأ فيها وإن كان عين ذاته - تعالى - خارجاً، إلّا أنّه غير ذاته - تعالى - مفهوماً.

(٢) مراده منه: العارض الاعتباري، ومن المحمول بالضميمة: العارض المتأصّل، سمّي الأوّل به لكونه خارجاً عن الشيء محمولاً عليه، والثاني لكونه منضماً إلى ما حمل عليه، هكذا قال في الدرس إلّا أنّه.. خلاف الاصطلاح ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٢٩٦ ) ؛ فإنّ المعروف بين أهل المعقول: أنّ المحمول بالضميمة هو العرضي الذي يكون محتاجاً في حمله على الشيء إلى الضميمة، والخارج المحمول هو العرضي الذي لا يحتاج حمله إلى الضميمة. انظر نهاية الحكمة: ٩٨.