درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۵۶: اوامر ۳

 

وما ذُكر في الترجيح عند تعارض هذه الأحوال - لو سلّم، ولم يعارَض بمثله - فلا دليل على الترجيح به، فلابدّ مع التعارض من الرجوع إلى الأصل في مقام العمل.

نعم، لو عُلم ظهوره في أحد معانيه - ولو احتمل أنّه كان للإنسباق من الإطلاق - فليُحمل عليه، وإن لم يُعلم أنّه حقيقةٌ فيه بالخصوص أو في ما يعمّه، كما لا يبعد أن يكون كذلك في المعنى الأوّل.

الجهة الثانية

اعتبار العلوّ في الأمر

الظاهر: اعتبار العلوّ في معنى الأمر، فلا يكون الطلب من السافل أو المساوي أمراً، ولو اطلق عليه كان بنحوٍ من العناية.

كما أنّ الظاهر: عدم اعتبار الاستعلاء، فيكون الطلب من العالي أمراً ولو كان مستخفضاً لجناحه (١).

وأمّا احتمال اعتبار أحدهما فضعيف، وتقبيحُ الطالب السافِل من العالي المستعلي عليه وتوبيخُه - بمثل: أنّك لِمَ تأمره ؟ - إنّما هو على استعلائه، لا على أمره حقيقةً بعد استعلائه، وإنّما يكون إطلاق الأمر على طلبه بحسب ما هو قضيّة استعلائه.

وكيف كان، ففي صحّة سلب « الأمر » عن طلب السافل - ولو كان مستعلياً - كفايةٌ.

الجهة الثالثة

الأمر حقيقةٌ في الوجوب

لا يبعد كون لفظ « الأمر » حقيقةً في الوجوب ؛ لانسباقه عنه عند إطلاقه.

__________________

(١) في « ش »: بجناحه.

ويؤيّده قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِه﴾ (١) ؛ وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: « لو لا أن أشُقَّ على امّتي لأمرتُهم بالسِّواك » (٢) ؛ وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله لبريرة - بعد قولها: « أتأمرني يا رسول الله ؟ » -: « لا، بل إنّما أنا شافعٌ (٣) »... إلى غير ذلك ؛ وصحّةُ الاحتجاج على العبد ومؤاخذتِهِ بمجرّد مخالفة أمره، وتوبيخه على مجرّد مخالفته، كما في قوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّاتَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ (٤).

أدلّة القول بوضع الأمر لمطلق الطلب ومناقشتها

وتقسيمُه إلى الإيجاب والاستحباب إنّما يكون قرينةً على إرادة المعنى الأعمّ منه في مقام تقسيمه. وصحّةُ الاستعمال في معنى أعمُّ من كونه على نحو الحقيقة، كما لا يخفى.

وأمّا ما افيد (٥) من أنّ الاستعمال فيهما ثابت، فلو لم يكن موضوعاً للقدر المشترك بينهما لزم الاشتراك أو المجاز، فهو غير مفيد ؛ لما مرّت الإشارة إليه في الجهة الأُولى (٦) وفي تعارض الأحوال (٧)، فراجع.

__________________

(١) النور: ٦٣.

(٢) وسائل الشيعة ٢: ١٧، الباب ٣ من أبواب السواك، الحديث ٤.

(٣) إن بريرة كانت أمة لعائشة وزوّجتها بعبد ثمّ أعتقتها، فلمّا علمت بريرة بخيارها في نكاحها بعد العتق أرادت مفارقة زوجها، فاشتكى الزوج إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لبريرة: « إرجعي إلى زوجك فإنّه أبو وُلدك وله عليك منّة »، فقالت يا رسول الله: « أتأمرني بذلك ؟ » فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله: « لا، إنّما أنا شافع » قالت: « فلا حاجة لي فيه ». ( منتهى الدراية ١: ٤٢١ - ٤٢٢ ). ويراجع مستدرك الوسائل ١٥: ٣٢، الباب ٣٦ من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث ٣.

(٤) الأعراف: ١٢.

(٥) في مبادئ الوصول: ٩٣، والمعالم: ٥٠ ( حجة القائلين بأنّه للقدر المشترك ).

(٦) من مباحث مادّة الأمر، حيث قال في الصفحة السابقة: وما ذكر في الترجيح عند تعارض هذه الأحوال لو سلّم....

(٧) الأمر الثامن من المقدّمة، إذ قال: وأمّا إذا دار الأمر بينها، فالأُصوليون وإن ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوهاً.... انظر الصفحة: ٣٨.

والاستدلال بأنّ فعل المندوب طاعة، وكلّ طاعة فهو فعل المأمور به، فيه ما لا يخفى، من منع الكبرى لو أُريد من المأمور به معناه الحقيقيّ، وإلّا لايفيد المدّعى (١).

الجهة الرابعة

الأمر موضوع للطلب الإنشائيّ

الظاهر: أنّ الطلب الّذي يكون هو معنى الأمر ليس هو الطلب الحقيقيّ - الّذي يكون طلباً بالحمل الشائع الصناعيّ (٢) -، بل الطلب الإنشائيّ - الّذي لا يكون بهذا الحمل طلباً مطلقاً، بل طلباً إنشائيّاً -، سواء انشئ بصيغة « إفعل »، أو بمادّة الطلب، أو بمادّة الأمر، أو بغيرها.

ولو أبيت إلّا عن كونه موضوعاً للطلب، فلا أقلّ من كونه منصرفاً إلى الإنشائيّ منه عند إطلاقه، كما هو الحال في لفظ « الطلب » أيضاً، وذلك لكثرة الاستعمال في الطلب الإنشائيّ.

كما أنّ الأمر في لفظ « الإرادة » على عكس لفظ « الطلب »، والمنصرف عنها (٣) عند إطلاقها هو الإرادة الحقيقيّة.

واختلافُهما في ذلك ألجأ بعضَ أصحابنا (٤) إلى الميل إلى ما ذهب إليه

__________________

(١) الفصول: ٦٤.

(٢) الأولى: تبديل قوله: « بالحمل الشائع الصناعي »، بقوله: « طلباً مطلقاً لا إنشائياً » ؛ وذلك لأنّ الموضوع في الحمل الشائع هو المصداق لا المفهوم، كما في: زيد إنسان ونحوه، وباب الوضع القائم بالمفاهيم أجنبي عن الوجود المتقوّم به الحمل، ولا ينبغي خلط أحدهما بالآخر. ( منتهى الدراية ١: ٣٧٩ ). وراجع حقائق الأُصول ١: ١٤٥.

(٣) سوق العبارة يقتضي أن يقال: إذ المنصرف، أو: حيث إن المنصرف. ( منتهى الدراية ١: ٣٨١ ).

(٤) كالمحقّق التقي في هداية المسترشدين ١: ٥٨٩، والمحقّق الخوانساري في رسالته في مقدّمة الواجب، نقله عنه في بدائع الأفكار: ٢٥٦.

الأشاعرة من المغايرة بين الطلب والإرادة (١)، خلافاً لقاطبة أهل الحقّ (٢) والمعتزلة (٣) من اتّحادهما.

فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحقّ في المقام، وإن حقّقناه في بعض فوائدنا (٤) إلّا أنّ الحوالة لمّا لم تكن عن المحذور خالية، والإعادة بلافائدة ولا إفادة (٥)، كان المناسب هو التعرّض هاهنا أيضاً.

اتحادالطلب والإرادة

فاعلم: أنّ الحقّ كما عليه أهله - وفاقاً للمعتزلة وخلافاً للأشاعرة - هو اتّحاد الطلب والإرادة، بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد، وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر، والطلب المُنشأ بلفظه أو بغيره عين الإرادة الإنشائيّة.

وبالجملة: هما متّحدان مفهوماً وإنشاءً وخارجاً، لا أنّ الطلب الإنشائيّ الّذي هو المنصرف إليه إطلاقه - كما عرفت - متّحدٌ مع الإرادة الحقيقيّة الّتي ينصرف إليها إطلاقها أيضاً ؛ ضرورةَ أنّ المغايرة بينهما أظهرُ من الشمس وأبينُ من الأمس.

لا صفة في النفس غير الإرادة تسمّى بالطلب

فإذا عرفت المراد من حديث العينيّة والاتّحاد، ففي مراجعة الوجدان - عند طلب شيءٍ والأمر به حقيقةً - كفايةٌ، فلا يحتاج إلى مزيد بيانٍ وإقامة برهانٍ ؛ فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفةً أُخرى قائمةً بها يكون (٦)

__________________

(١) راجع شرح المواقف ٨: ٩٤، شرح التجريد ( للقوشجيّ ): ٢٤٦ ونقد المحصّل: ١٧٠.

(٢) انظر مفاتيح الأُصول: ١٠٩، هداية المسترشدين ١: ٥٨٢، والفصول: ٦٨.

(٣) حكاه عنهم الرازي في المحصول ٢: ١٩.

(٤) الفوائد: ٢٨٧ - ٢٩٠.

(٥) في بعض الطبعات: والإعادة ليست بلا فائدة وإفادة.

(٦) الأولى: تأنيث « يكون » وكذا الضمير المنفصل بعده. ( منتهى الدراية ١: ٣٨٥ ).