درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۵۸: اوامر ۵

 

الأشاعرة من المغايرة بين الطلب والإرادة (١)، خلافاً لقاطبة أهل الحقّ (٢) والمعتزلة (٣) من اتّحادهما.

فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحقّ في المقام، وإن حقّقناه في بعض فوائدنا (٤) إلّا أنّ الحوالة لمّا لم تكن عن المحذور خالية، والإعادة بلافائدة ولا إفادة (٥)، كان المناسب هو التعرّض هاهنا أيضاً.

اتحادالطلب والإرادة

فاعلم: أنّ الحقّ كما عليه أهله - وفاقاً للمعتزلة وخلافاً للأشاعرة - هو اتّحاد الطلب والإرادة، بمعنى أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد، وما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر، والطلب المُنشأ بلفظه أو بغيره عين الإرادة الإنشائيّة.

وبالجملة: هما متّحدان مفهوماً وإنشاءً وخارجاً، لا أنّ الطلب الإنشائيّ الّذي هو المنصرف إليه إطلاقه - كما عرفت - متّحدٌ مع الإرادة الحقيقيّة الّتي ينصرف إليها إطلاقها أيضاً ؛ ضرورةَ أنّ المغايرة بينهما أظهرُ من الشمس وأبينُ من الأمس.

لا صفة في النفس غير الإرادة تسمّى بالطلب

فإذا عرفت المراد من حديث العينيّة والاتّحاد، ففي مراجعة الوجدان - عند طلب شيءٍ والأمر به حقيقةً - كفايةٌ، فلا يحتاج إلى مزيد بيانٍ وإقامة برهانٍ ؛ فإنّ الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفةً أُخرى قائمةً بها يكون (٦)

__________________

(١) راجع شرح المواقف ٨: ٩٤، شرح التجريد ( للقوشجيّ ): ٢٤٦ ونقد المحصّل: ١٧٠.

(٢) انظر مفاتيح الأُصول: ١٠٩، هداية المسترشدين ١: ٥٨٢، والفصول: ٦٨.

(٣) حكاه عنهم الرازي في المحصول ٢: ١٩.

(٤) الفوائد: ٢٨٧ - ٢٩٠.

(٥) في بعض الطبعات: والإعادة ليست بلا فائدة وإفادة.

(٦) الأولى: تأنيث « يكون » وكذا الضمير المنفصل بعده. ( منتهى الدراية ١: ٣٨٥ ).

هو الطلب غيرها (١)، سوى ما هو مقدّمةُ تحقّقها عند خطور الشيء، والميل وهيجان الرغبة إليه، والتصديق بفائدته (٢)، وهو الجزم بدفع ما يوجب توقّفه عن طلبه لأجلها.

وبالجملة: لا يكاد يكون غير الصفات المعروفة والإرادة هناك صفة أُخرى قائمة بها يكون هو الطلب (٣)، فلا محيصَ (٤) عن اتّحاد الإرادة والطلب، وأن يكون ذلك الشوق المؤكّد - المستتبِع لتحريك العضلات في إرادة فعله بالمباشرة، أو المستتبع لأمر عبيده به في ما لو أراده لا كذلك - مسمّىً ب « الطلب » و « الإرادة »، كما يعبّر به تارةً وبها أُخرى، كما لا يخفى.

وكذا الحال في سائر الصيغ الإنشائيّة والجمل الخبريّة، فإنّه لا يكون غير الصفات المعروفة القائمة بالنفس - من الترجّي والتمنّي والعلم إلى غير ذلك - صفة أُخرى، كانت قائمة بالنفس وقد دلّ اللفظ عليها، كما قيل (٥):

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما

جُعل اللسان على الفؤاد دليلاً

استدلال الأشاعرة على مغايرة الطلب والإرادة و الإشكال عليه

وقد انقدح بما حقّقناه ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة - بالأمر مع عدم الإرادة، كما في صورتي الاختبار والاعتذار - من الخلل ؛ فإنّه كما لا إرادة حقيقةً في الصورتين لا طلب كذلك فيهما، والّذي يكون فيهما إنّما هو الطلب

__________________

(١) الظاهر: أنّه من سهو الناسخ ؛ للاستغناء عنه بقوله: « غير الإرادة ». ( منتهى الدراية ١: ٣٨٥ ).

(٢) ينبغي ذكر تصور الفائدة والتصديق بها قبل الميل وهيجان الرغبة. ( منتهى الدراية ١: ٣٨٦ ).

(٣) الأولى: « تكون هي الطلب ».

(٤) أثبتنا العبارة كما وردت في حقائق الأُصول ومنتهى الدراية. وفي غيرهما: فلا محيص إلّا.

(٥) القائل هو الأخطل الشاعر على ما في المحصول ( للرازي ) ٢: ٢٤ وغيره.

الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي هو مدلول الصيغة أو المادّة، ولم يكن بيّناً ولا مبيّناً في الاستدلال مغايرتُهُ مع الإرادة الإنشائيّة.

وبالجملة: الّذي يتكفّله الدليل ليس إلّا الانفكاك بين الإرادة الحقيقيّة والطلب المنشأ بالصيغة، الكاشف عن مغايرتهما، وهو ممّا لا محيصَ عن الالتزام به - كما عرفت (١) -، ولكنّه لا يضرّ بدعوى الاتّحاد أصلاً ؛ لمكان هذه المغايرة والانفكاك بين الطلب الحقيقيّ والإنشائيّ، كما لا يخفى.

المصالحة بين الطرفين

ثمّ إنّه يمكن - ممّا حقّقناه - أن يقع الصلح بين الطرفين، ولم يكن نزاعٌ في البين، بأن يكون المراد بحديث الاتّحاد ما عرفت من العينيّة مفهوماً ووجوداً، حقيقيّاً وإنشائيّاً، ويكون المراد بالمغايرة والاثنينيّة هو اثنينيّة الإنشائيّ من الطلب - كما هو كثيراً ما يراد من إطلاق لفظه - والحقيقيّ (٢) من الإرادة - كما هو المراد غالباً منها حين إطلاقها -، فيرجع النزاع لفظيّاً، فافهم.

دفع وهْم في فهم كلام الأصحاب والمعتزلة

دفعُ وهمٍ:

لا يخفى: أنّه ليس غرض الأصحاب والمعتزلة من نفي غير الصفات المشهورة، - وأنّه ليس صفة أُخرى قائمة بالنفس، كانت كلاماً نفسيّاً مدلولاً للكلام اللفظيّ، كما يقول به الأشاعرة - أنّ هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام (٣).

إن قلت: فماذا يكون مدلولاً عليه عند الأصحاب والمعتزلة ؟

__________________

(١) آنفاً، إذ قال: ضرورة أنّ المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس.

(٢) الأولى أن يقال: « والحقيقيّة من الإرادة ». ( منتهى الدراية ١: ٣٩٢ ).

(٣) هذا ما توهمه عبارة القوشجي في شرح التجريد: ٢٤٦، كما ذكره المصنّف في فوائده: ٢٨٨.