درس کفایه الاصول - جلد اول

جلسه ۵۹: اوامر ۶

 

الإنشائيّ الإيقاعيّ الّذي هو مدلول الصيغة أو المادّة، ولم يكن بيّناً ولا مبيّناً في الاستدلال مغايرتُهُ مع الإرادة الإنشائيّة.

وبالجملة: الّذي يتكفّله الدليل ليس إلّا الانفكاك بين الإرادة الحقيقيّة والطلب المنشأ بالصيغة، الكاشف عن مغايرتهما، وهو ممّا لا محيصَ عن الالتزام به - كما عرفت (١) -، ولكنّه لا يضرّ بدعوى الاتّحاد أصلاً ؛ لمكان هذه المغايرة والانفكاك بين الطلب الحقيقيّ والإنشائيّ، كما لا يخفى.

المصالحة بين الطرفين

ثمّ إنّه يمكن - ممّا حقّقناه - أن يقع الصلح بين الطرفين، ولم يكن نزاعٌ في البين، بأن يكون المراد بحديث الاتّحاد ما عرفت من العينيّة مفهوماً ووجوداً، حقيقيّاً وإنشائيّاً، ويكون المراد بالمغايرة والاثنينيّة هو اثنينيّة الإنشائيّ من الطلب - كما هو كثيراً ما يراد من إطلاق لفظه - والحقيقيّ (٢) من الإرادة - كما هو المراد غالباً منها حين إطلاقها -، فيرجع النزاع لفظيّاً، فافهم.

دفع وهْم في فهم كلام الأصحاب والمعتزلة

دفعُ وهمٍ:

لا يخفى: أنّه ليس غرض الأصحاب والمعتزلة من نفي غير الصفات المشهورة، - وأنّه ليس صفة أُخرى قائمة بالنفس، كانت كلاماً نفسيّاً مدلولاً للكلام اللفظيّ، كما يقول به الأشاعرة - أنّ هذه الصفات المشهورة مدلولات للكلام (٣).

إن قلت: فماذا يكون مدلولاً عليه عند الأصحاب والمعتزلة ؟

__________________

(١) آنفاً، إذ قال: ضرورة أنّ المغايرة بينهما أظهر من الشمس وأبين من الأمس.

(٢) الأولى أن يقال: « والحقيقيّة من الإرادة ». ( منتهى الدراية ١: ٣٩٢ ).

(٣) هذا ما توهمه عبارة القوشجي في شرح التجريد: ٢٤٦، كما ذكره المصنّف في فوائده: ٢٨٨.

مدلول الجملات الخبرية و الإنشائية عند الأصحاب و المعتزلة

قلت: أمّا الجمل الخبريّة فهي دالّة على ثبوت النسبة بين طرفيها، أو نفيها في نفس الأمر من ذهنٍ أو خارجٍ، كـ « الإنسان نوعٌ » أو « كاتبٌ ».

وأمّا الصيغ الإنشائيّة فهي - على ما حقّقناه في بعض فوائدنا (١) - موجِدةٌ لمعانيها في نفس الأمر - أي: قُصِدَ (٢) ثبوت معانيها وتحقّقُها بها -، وهذا نحوٌ من الوجود، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبارٍ مترتّب عليه - شرعاً وعرفاً - آثارٌ، كما هو الحال في صيغ العقود والإيقاعات.

نعم، لا مضايقة في دلالة مثل صيغة الطلب والاستفهام والترجّي والتمنّي - بالدلالة الالتزاميّة - على ثبوت هذه الصفات حقيقةً، إمّا لأجل وضعها لإيقاعها - في ما إذا كان الداعي إليه ثبوت هذه الصفات -، أو انصرافِ إطلاقها إلى هذه الصورة، فلو لم تكن هناك قرينةٌ كان إنشاء الطلب أو الاستفهام أو غيرهما بصيغتها لأجل كون الطلب والاستفهام وغيرهما قائمةً بالنفس وضعاً أو إطلاقاً (٣).

الإشكال على اتحاد الطلب و الإرادة ودفعه

إشكالٌ ودفعٌ:

أمّا الإشكال فهو: أنّه يلزم - بناءً على اتّحاد الطلب والإرادة - في تكليف الكفّار بالإيمان، بل مطلق أهل العصيان في العمل بالأركان، إمّا أن لا يكون هناك تكليفٌ جدّيّ، إن لم يكن هناك إرادة ؛ حيث إنّه لا يكون حينئذٍ طلبٌ حقيقيٌّ، واعتباره في الطلب الجدّيّ ربما يكون من البديهيّ، وإن

__________________

(١) الفوائد: ٢٨٩.

(٢) كلمة « قصد » مشطوب عليها في الأصل.

(٣) في « ق » و « ش » وحقائق الأُصول: لأجل قيام الطلب والاستفهام وغيرهما بالنفس وضعاً أو إطلاقاً.

كان هناك إرادة فكيف تتخلّف عن المراد (١) ؟ ولا تكاد تتخلّف، إذا أراد الله شيئاً يقول له: كن، فيكون.

وأمّا الدفع فهو: أنّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينيّة - وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التامّ - دون الإرادة التشريعيّة - وهي العلم بالمصلحة في فعل المكلّف -، وما لا محيصَ عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعيّة، لا التكوينيّة، فإذا توافقتا فلابدّ من الإطاعة والإيمان، وإذا تخالفتا فلا محيصَ عن أن يختار الكفر والعصيان.

شبهة الجبر و ردّها

إن قلت: إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان بإرادته - تعالى - الّتي لا تكاد تتخلّف عن المراد، فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف ؛ لكونها خارجةً عن الاختيار المعتبر فيه عقلاً.

قلت: إنّما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة بها مسبوقاً (٢) بمقدّماتها الاختياريّة (٣)، وإلّا فلابدّ من صدورها بالاختيار، وإلّا لزم تخلّف إرادته عن مراده، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

الإشكال في عقاب العاصي و الجواب عنه

إن قلت: إنّ الكفر والعصيان - من الكافر والعاصي - ولو كانا مسبوقين بإرادتهما، إلّا أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار، كيف ؟ وقد سبقتهما (٤) الإرادةُ الأزليّة والمشيّة الإلهيّة، ومعه كيف تصحّ المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار ؟

__________________

(١) أُسلوب الكلام يقتضي أن تكون العبارة هكذا: « وإمّا أن تتخلّف الإرادة عن المراد إن كان هناك إرادة توجب كون التكليف جدّياً ». راجع منتهى الدراية ١: ٤٠٠.

(٢) في غير « ر »: مسبوقةً.

(٣) كان الأولى أن يقول: « بمقدماتها الموجبة لكونها اختيارية » ؛ إذ مقدّمات الفعل ليست اختيارية، بل نفس الفعل اختياري. ( حقائق الأُصول ١: ١٥٤ ).

(٤) أثبتنا الكلمة من محتمل الأصل ومنتهى الدراية، وفي سائر الطبعات: سبقهما.

قلت: العقابُ إنّما يتبع (١) الكفر والعصيان التابعين للاختيار، الناشئ عن مقدّماته، الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللازمة لخصوص ذاتهما، فإنّ السعيدَ سعيدٌ في بَطْنِ امّه والشقيَّ شقيٌّ في بَطْنِ امّه (٢)، و « الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة » (٣) - كما في الخبر -، والذاتيّ لا يعلّل، فانقطع سؤال: أنّه لِمَ جُعِلَ السعيد سعيداً والشقيّ شقيّاً ؟ فإنّ السعيد سعيدٌ بنفسه والشقيّ شقيٌّ كذلك، وإنّما أوجدهما الله - تعالى -.

 « قلم اينجا رسيد سر بشكست ». قد انتهى الكلام في المقام إلى ما ربما لا يسعه كثير من الأفهام، ومن الله الرشد والهداية، وبه الاعتصام.

إشكالٌ آخر على اتحاد الطلب و الإرادة و الجواب عنه

وهمٌ ودفعٌ:

لعلّك تقول: إذا كانت الإرادة التشريعيّة منه - تعالى - عين علمه بصلاح الفعل لزم - بناءً على أن تكون عينَ الطلب - كونُ المنشأ بالصيغة في الخطابات الإلهيّة هو العلم، وهو بمكان من البطلان.

لكنّك غفلت عن أنّ اتّحاد الإرادة مع العلم بالصلاح إنّما يكون خارجاً، لا مفهوماً، وقد عرفت (٤): أنّ المُنشأ ليس إلّا المفهوم، لا الطلب الخارجيّ، ولا غَرْوَ أصلاً في اتّحاد الإرادة والعلم عيناً وخارجاً، بل لا محيصَ عنه في جميع صفاته - تعالى - ؛ لرجوع الصفات إلى ذاته المقدّسة. قال أميرالمؤمنين عليه‌السلام:

« وكمالُ توحيده الإخلاصُ له، وكمالُ الإخلاص له نفيُ الصفات عنه » (٥).

__________________

(١) أثبتناها من « ر »، « ق » و « ش ». وفي غيرها: بتبعة. وفي حقائق الأُصول: يستتبعه.

(٢) نقلٌ بالمضمون للحديث المروي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله. انظر التوحيد: ٣٥٦.

(٣) الكافي ٨: ١٧٧ عن أبي عبد الله عليه‌السلام.

(٤) في الجهة الرابعة من البحث عن مادة الأمر.

(٥) نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.

الفصل الثاني
في ما يتعلّق بصيغة الأمر

وفيه مباحث:

الأوّل

معنى صيغة الأمر

أنّه ربما يذكر للصيغة معانٍ قد استعملت فيها، وقد عُدَّ منها: الترجّي، والتمنّي، والتهديد، والإنذار، والإهانة، والإحتقار، والتعجيز، والتسخير... إلى غير ذلك. وهذا كما ترى ؛ ضرورةَ أنّ الصيغة ما استعملت في واحدٍ منها، بل لم تستعمل إلّا في إنشاء الطلب (١)، إلّا أنّ الداعي إلى ذلك كما يكون تارةً هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعيّ، يكون أُخرى أحد هذه الامور، كما لا يخفى.

قصارى ما يمكن أن يُدَّعى أن تكون الصيغة موضوعةً لإنشاء الطلب في ما إذا كان بداعي البعث والتحريك، لا بداعٍ آخر منها، فيكون إنشاء الطلب بها بعثاً حقيقةً، وإنشاؤه بها تهديداً مجازاً. وهذا غير كونها مستعملةً في التهديد وغيره، فلا تغفل.

الكلام في سائرالصيغ الإنشائيّة

إيقاظ:

لا يخفى: أنّ ما ذكرناه في صيغة الأمر جارٍ في سائر الصيغ الإنشائيّة،

__________________

(١) ظاهره كون المستعمل فيه هو الإنشاء، ولا يخفى أنه من مقوّمات الاستعمال عنده، كما نفى البُعد عنه في أول الكتاب. والظاهر أنّها مسامحة، ومراده كون المستعمل فيه هو الطلب الإنشائي. ومنه تظهر المسامحة في عبارته الآتية أيضاً. ( كفاية الأُصول مع حاشية المشكيني ١: ٣٤٣ ). وراجع منتهى الدراية ١: ٤٣٤.